Showing posts with label الجنوبيون الخضر. Show all posts
Showing posts with label الجنوبيون الخضر. Show all posts

Tuesday, 20 February 2018

مقالة: كيف نعيد البومة البيضاء حارسة خيرات الحقول؟ | Article: How Can We Bring Back the Barn Owl, Guardian of Our Fields?


 


في سبيل بناء علاقة سلمية مع محيطنا البيئي الطبيعي لا بد لنا من تصويب الكثير من المفاهيم الشائعة والخاطئة عن هذا المحيط الذي نحن جزء منه. من هذه المفاهيم الخاطئة تصور «الحياة البرية» باعتبارها حيزاً منفصلاً عنا، يمكن أن يكون مساحة حرجية أو جرداء تعيش عليها بعض الحيوانات والطيور، جميعها مجهولٌ لدينا.

حيث لا علاقة تربطنا به والاتصال الوحيد لنا معه هو في حالتين: حينما نخرج إلى «البرية» أو حين تأتي حيواناتها إلى محيط قرانا وبلداتنا وحينها تعتبر غازية وخطرة مباحٌ قتلها. لكن في واقع الأمر نحن من «غزونا» البرية وموطن هذه الحيوانات والطيور ودمرنا ملاذاتها بالزحف الإسمنتي وشبكة الطرق العشوائية وحاصرناها في جزر من بقايا المساحات الخضراء والحرجية. إلا أن هذا لا يغير من حقيقة أننا، أينما كنا، نشكل جزءاً من هذا المحيط الحيوي الذي تشكله النظم البيئية على اختلاف أنواعها، نؤثر ونتأثر بها بشكل مباشر. بإمكاننا أخذ أكثر من نموذج، ربما معظم الحيوانات البرية، للنظر في هذا الفهم الخاطئ للعلاقة مع محيطنا الطبيعي... في طليعتها بوم الحظائر


أدرج كتاب حالة الطيور في لبنان State of Lebanon’s Birds & IBAs الذي أعده أسعد سرحال وباسمة الخطيب ونشر في ٢٠١٤ ضمن مشروع "تعميم إدماج المحافظة على الطيور المحلقة المهاجرة في القطاعات الإنتاجية الرئيسية على طول مسار الوادي المتصدع / البحر الأحمر" الذي نفذته وزارة البيئة في لبنان، ستة أنواع من البوم توجد في لبنان منها أربعة مقيمة وهي بوم المخازن Barn Owl(Tyto alba) وبومة النسر الأوراسية Eurasian Eagle Owl (Bubo bubo) والبومة السمراء Tawny Owl (Strix aluco) والبومة الصغيرة Little Owl (Athene noctua) ونوعان مهاجران: البومة الطويلة الأذن Long-eared Owl (Asio otus) مهاجرة شتوية وبومة الأشجار الأوروبية Eurasian Scops Owl (Otus scops) بالإضافة إلى نوع سابع متنقل غير مؤكد وهو بومة السمك البنية Brown fish owl (Ketupa zeylonensis).

ناظمة القوارض

تعتبر بومة الحظائر أو المخازن البيضاء أحد أنشط ناظم للقوارض. فهي تنشط في أكثر من منطقة لبنانية وتفضل المناطق المفتوحة مثل الحقول والمراعي، مما يسهل عليها رصد ومباغتة طرائدها كما تنشط في بعض الأماكن الحضرية. وهي تعتبر أفضل ناظم للقوارض التي تشكل التحدي الرئيسي للأراضي الزراعية والأرياف ولصحة الأماكن الحضرية. إذ تأتي القوارض بمختلف أنواعها على رأس قائمة طرائدها وحيث تندر تلك، تصيدُ البوم السحالي والبرمائيات وبعض أنواع الحشرات. وقد أظهرت دراسات عدة تناولت النظام الغذائي لبوم المخازن من بينها دراسة أعدتها Mammals Society البريطانية أن طائر البوم البالغ يتناول بين ٣-٤ من الفئران يومياً (٤٥٪ فأر الحقل و١٥٪ فأر الخشب و٢٠٪ قارض الزبابة Sorex) وهو ما يعادل ألفي فأر وقارض في العام للطائر الواحد، ما يجعل بوم الحظائر تتصدر، إلى الكواسر والأفاعي والثعلب الأحمر والنمس من الحيوانات والطيور البرية، قائمة مفترسات الفئران والقوارض.

في صدارة قائمة المفترسات

وما أسهم في تصدر البوم قائمة المُفترسات هو نشاطها الليلي وتمتعها بحاسة سمع قوية ورؤية ليلية تمكنها من رصد الفئران وتعقبها بخفوت مذهل يقارب الصمت تمتاز به عن سائر الطيور وباقي المُفترسات.
ليس هذا فحسب، بل إن بوم الحظائر، شأن الثعالب الحمراء، أظهرت قدرة كبيرة على التكيف وخاصة في المناطق الحضرية ومحيطها مما يجعلها حيوية وضرورية للحد من تزايد القوارض في تلك المناطق وهو أمر مهم للغاية لمواجهة تحدي التزايد المطرد للقوارض في التجمعات الحضرية والتي تعد من أقدم وأخطر التحديات التي تواجهها، وآثار ذلك على الصحة العامة تكفي الإشارة إلى أن أسوأ حالات انتشار الأوبئة والتي أودت بأرواح الملايين حملتها القوارض. وتتضاعف أهمية البوم والمفترسات الحضرية الأخرى مع تحذير دراسات عدة من مخاطر الاعتماد على القطط الأليفة لهذه المهمة خشية نقل القطط للأوبئة التي تحملها القوارض من الفئران والجرذان إلى أفراد المنزل.

«المكافح البيولوجي»

بين عامي ٢٠١٠-٢٠١١ شهد لبنان والبقاع الغربي ما اعتبر انفجاراً وبائياً لفأر الحقل Microtus socialis حيث تضاعفت أعداده بشكل كبير وقد عزي الأمر في حينه إلى موجة جفاف سادت إبان تلك الآونة، وقد قضى ذلك على موسم القمح والشعير وخلّف أضراراً جسيمة في الحقول الزراعية وخسائر كبيرة على المزارعين. وسادت خشية في حينه من انتشار الأوبئة بين قطعان الغنم والماعز وانتقالها إلى الناس ووزعت الطعوم لهذه الغاية.
إلا أن هذه الظاهرة ليست جديدة ومعزولة في لبنان وبلاد الشام، فلقد سجلت قبلها كما أعقبها العديد من حالات مشابهة. ويشكل تزايد أعداد فأر الحقل تحدياً دائماً للمزارعين في سوريا كما في لبنان وفلسطين، وقد قضى العام الماضي (2016) على موسم القمح في حقول حماه.
وقد أسهمت التغيرات المناخية الناشئة عن الاحتباس الحراري في توفير المناخ المناسب لتكاثر هذه القوارض فضلاً عن أن مناطق من لبنان وسوريا وفلسطين تعتبر مواطناً لفأر الحقل (ويندرج ضمنه ٦- ٧ أنواع فرعية) وهذا ما أورده العالم الألماني بيتر سيمون بالاس الذي وثق النوع في عام 1773 وأعطاه اسمه العلمي المستخدم اليوم. وهو الأمر الذي أكده علماء بيولوجيون خلفوا بالاس وسجلوا وجود ونشاط فأر الحقل في لبنان (البقاع) وسوريا وفلسطين (الشمال والضفة الغربية وغور الأردن).

مخاطر المركبات الكيميائية

ولقد ثبت أن استخدام المركبات الكيماوية السامة من قبيل فوسفيد الزنك وتتان وفوستكسين للقضاء على القوارض تحمل مخاطر وتداعيات بيئية خطيرة على باقي الحيوانات بما فيها أنواع القوارض الحيوية والطيور وتلك المفترسة للفئران بشكل خاص، حيث تقضي نتيجة للسموم أو بتناول الفأر المسمم، فضلاً عن أثارها على المواشي. وفيما تتكاثر الفئران على مدار العام وبأعداد كبيرة تسمح لها بالتعويض في تناقص أعدادها بفعل التسمم لا ينطبق الأمر على مُفترسات الفأر الأقل عدداً ونسبة في التوالد مما يُقيل عنصراً حيوياً في الحد من تكاثرها ويزيد من أعدادها.
وهو ما يقودنا إلى خلاصة توصلت إليها مراكز الأبحاث الزراعية المختلفة حول أهمية مواجهة هذه المعضلة بالوسائل البيولوجية والتي لا تحمل أيّ مخاطر على البيئة والصحة العامة بعكس المبيدات والسموم الكيماوية. وتأتي في مقدمة هذه المبيدات البيولوجية البومة البيضاء.
وقد عمدت أكثر من دولة ومنظمة مختصة إلى إطلاق برامج للمساعدة على رفع أعداد هذه الطيور بشكل رئيسي وكذلك صقر العوسق أو صقر الجراد أو الشبوط (كما الحال في فلسطين) وحماية باقي المُفترسات الحضرية مثل الثعلب الأحمر (بريطانيا) نظراً لأهمية الدور الذي تلعبه هذه الطيور كمبيد بيولوجي لسلامة وصحة المزارع والحقول وكذلك الأماكن الحضرية وهذا ما يفسر تسميتها بصديقة الفلاح وحارس الحقل.

تاريخ وتحديات

تواجه طيور البوم، وبشكل رئيسي بومة الحظائر البيضاء مخاطر عديدة. هذه البومة ذات الوجه الأبيض الساحر الذي يشبه القلب بألوان ريشها المميز، ناشطة في الأرياف كما في محيط المدن. سبق أن اتخذتها مملكة صور الفينيقية رمزاً ملكياً لها وسكتها على عملتها (الصورة لعملة من مدينة صور تعود لـ٤٠٠-٣٦٠ ق.م ويظهر عليها طائر البوم الذي اتخذته المملكة الفينيقية شعاراً ملكياً لها). بين التحديات التي تواجهها هذه البومة الساحرة، الموروثات الشعبية التي تقدمها على أنها نذير شؤم، فيما يظهر دورها الحيوي أنها عكس ذلك تماماً. كما تتعرض للقتل العبثي والجائر والإتجار غير المشروع. وبدل أن نسعى إلى حمايتها والعمل على زيادة أعدادها، تتراجع أعدادها بشكل متسارع مما يقوّض دورها الحيوي وهو ما سيكون له تداعيات خطيرة على المدى البعيد على صحة وسلامة الحقول والبراري والأرياف وحتى على مدننا وبلداتنا إذا لم نسارع إلى حمايتها وزيادة أعدادها ببرامج ترعاها وزارتا الزراعة والبيئة لتشكل بدائل بيولوجية مستدامة تدرب الفلاحين على كيفية تشجيع زيادة أعداد هذه الطيور والتعامل معها وتوزيع أعشاش صناديق خشبية لتشجيعها على الاستقرار والتكاثر والتشدد في ملاحقة المعتدين عليها. خلاف ذلك، ستتزايد أعداد القوارض ومعها الأوبئة وبالتالي تتراجع إنتاجيه الحقول ومعها مستويات دخل ومعيشة المزارعين وهو ما يضعف فرص ومجالات تنمية الأرياف والمجتمعات المحلية.

جريدة الأخبار، 11 يناير/ كانون ثاني 2018

https://shorturl.at/iLCfu

Friday, 12 May 2017

إسشصراح: في اليوم الوطني للسلاحف... المزيد من التهديد | Commentary: Two Years After Lebanon’s National Sea Turtle Day – What Has Changed?


لم يطرأ تغيير إيجابي ملحوظ على واقع السلاحف البحرية في لبنان منذ إعلان الخامس من أيار يوماً وطنياً للسلاحف قبل عامين. إذ لا يزال الاهتمام محصوراً بالناشطين البيئيين، في مقابل مستوى أقل لدى المواطنين، لا سيما الصيادين. جمعية «الجنوبيون الخضر» صاحبة الفكرة (تبناها وزير البيئة السابق محمد المشنوق ووافقت عليها حكومة الرئيس تمام سلام)، لا تزال ترصد نفوق سلاحف على الشاطئ اللبناني، لا سيما الجنوبي، بسبب تعرضها للاختناق بالنفايات الملقاة في البحر أو ارتطامها بجسم حاد أو تعرضها للقتل العمد.
الرصد الأخير سجل مطلع الأسبوع الجاري على شاطئ عدلون (الزهراني). إذ وجد ناشطو الجمعية سلحفاتين نافقتين في أقل من 48 ساعة يبعد بينها حوالى ثلاثة كيلومترات. بحسب بيان الجمعية «بدت آثار التحلل عليهما وقد تعرضتا لتهشّم كبير في الرأس بعد نفوقهما ووصولهما إلى الشاطئ من قبل بعض الأشخاص بحسب شهود عيان». مع هاتين السلحفاتين، بلغ عدد السلاحف النافقة التي عثرت الجمعية عليها في عدلون وحدها خلال الثمانية أشهر الماضية، سبعاً.

تسجيل هذا الرقم شكل «مؤشراً بيئياً خطيراً بسبب الدور الحيوي الذي تلعبه السلاحف البحرية في النظم البيئية البحرية والشاطئية».
الشهر الفائت، سجل عناصر مركز الدفاع المدني في الجية نفوق سلحفاة من نوع «كاريتا» المهددة بالانقراض، وتبين بعد تشريحها بأنها تعرضت لضربة في الرأس. علماً بأن السلحفاة «لاكي» لا تزال تخضع للتأهيل في المركز بعد الاعتداء الذي تعرضت له على شاطئ الرميلة الصيف الماضي من قبل الرواد.

حماية شاطئ عدلون

 التهديد الواقع على سلاحف عدلون حرّك المقترح الذي قدمه «الجنوبيون الخضر» إلى وزارتي البيئة والثقافة للموافقة على تصنيف الشاطئ محمية طبيعية بطول خمسة كيلومترات تمتد من جنوبي مرفأ عدلون من ميناء الزبل حتى ميناء أبو زيد، حيث رصد المنقبون بقايا آثار يرجح أنها عائدة للفينيقيين. ويستند المقترح إلى «أهمية وخصوصية موقع وشاطئ عدلون وتنوعه البيولوجي ونشاط للسلاحف البحرية المهددة بالانقراض وفق الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة».

فيما محمية شاطئ عدلون تنتظر البت، اقترب اقتراح إعلان شاطئ البقبوق في العباسية (قضاء صور) محمية طبيعية، من الحسم، بالتعاون مع بلدية العباسية. رئيس الجمعية هشام يونس أوضح لـ«الأخبار» أن الوزارتين المعنيتين «أبديتا موافقة أولية وطلبتا المزيد من الأوراق والخرائط اللازمة». ذلك الشاطئ الرملي يشكل جزءاً من المجال الحيوي الجاذب للسلاحف منذ مئات السنين الممتد من عدلون حتى الناقورة. لكن مجلس الإنماء والإعمار اختار قبل سنوات الشاطئ ذاته لإنشاء محطة لتكرير المياه المبتذلة لبلدات صور. من خلال قسطل ضخم، تضخ المحطة المياه المكررة نحو كيلومترات بعيدة عن الشاطئ. يؤكد المعنيون أن المخطط لا يؤثر في مميزات الشاطئ وتنوعه البيولوجي. لكن العبرة بالتشغيل الذي لم يبدأ بعد

آمال الخليل، جريدة الأخبار
 5 مايو/ أيار2017 
الرابط:
http://www.al-akhbar.com/node/276724

Thursday, 4 May 2017

مقابلة تتناول دور السلاحف البحرية البيئي والتحديات التي تواجهها | Interview & Commentary: The Vital Role of Sea Turtles in Lebanon’s Coastal Ecosystem





 مع مؤسس “الجنوبيون الخضر” الناشط البيئي والأكاديمي الدكتور هشام يونس نبتعد في رحلة البحث عن الحياة البحرية، ونغوص عميقا في بحر العلم والمعرفة لنقف على عالم ما يزال يكتنفه الغموض، ألا وهو عالم السلاحف البحرية، تلك الكائنات التي يمكن اعتبارها حارسة البحر المتوسط وأيقونة الشواطئ اللبنانية، لما تمثل من حلقة مهمة في التوازن البيئي، فضلا عن أهميتها في النظم الايكولوجية البحرية، ما يفترض تكثيف الجهود لحمايتها وحماية موائلها. التقيناه، وكان حوارا تناول الكثير من هذا العالم الساحر، فأثرى معارفنا، لنتأكد أن السلاحف البحرية عالم مليء بالأسرار، ودورها أكبر من أن يختصر في وظيفة محددة، ما يضاعف أهميتها، ويضاعف تاليا مسؤوليتنا كدولة ومجتمع أهلي ومواطنين، لنحافظ عليها من ضمن حماية التنوع البيولوجي في بحر لبنان وعلى امتداد ساحل المتوسط.  وفي ما يلي نص الحوار: 
  greenarea: بداية، ماذا عن السلاحف البحرية في لبنان؟  
 د. هشام يونس: يعود نشاط السلاحف البحرية وتواجدها على الساحل اللبناني إلى آلاف السنين على أقل تقدير، علماً أن السلاحف تعدّ واحدة من أقدم كائنات الأرض التي تعود إلى أكثر من مئة مليون سنة. فيما يعود تشكّل الساحل الشرقي المتوسطي إلى العصر الجيولوجي الرابع (أحدث تلك الحقبات)، وبالتالي يمكن اعتبار السلاحف البحرية في لبنان واحدة من الحيوانات البحرية الحيوية الهامة والنشطة في تاريخ إيكولوجيا المياه والسواحل اللبنانية. وهو ما يجعل أهميتها مضاعفة، سواء في دورها البيولوجي ضمن المنظومات الإحيائية البحرية المتوسطية وسلسلتها الغذائية أو في كونها تشكل ذاكرة بيولوجية للتعرف على التطور البيولوجي للموائل البحرية على السواحل اللبنانية. وقد بيّنت خارطة أصدرتها وزارة البيئة عدد المواقع التي تنشط فيها السلاحف البحرية في فترة التعشيش، من أيار (مايو) ولغاية تشرين الأول (أكتوبر) من كل عام، وتلك التي تُعدّ موائل لها على طول الساحل اللبناني والتي تتركز بشكل رئيس في الجنوب، فضلاً عن مواقع أخرى في الوسط والشمال وبالتحديد على الشواطئ التي لم تشهد تدخلات بشرية واسعة. ويعود ذلك إلى حساسية السلاحف تجاه التلوث المتعدّد الذي تسببه تدخلات كهذه بما فيها التلوث الضوئي والصوتي الذي يحدثه نشاط المنتجعات السياحية التي انتشرت على السواحل اللبنانية من دون أي رؤية توجيهية أو ضوابط تلحظ الخصوصيات البيئية والتراثية للساحل اللبناني، والتي تستغلّ الشواطئ بشكل غير قانوني وما يصاحب ذلك من أعمال ردمٍ لبناء أحواض أو إقامة منشآت أخرى داخل البحر، ما يخلف ضرراً جسيماً للموائل وللمحيط البيولوجي بكامله. فضلاً عن نشاط المراكب السياحية والزلاجات المائية وما تخلفه في المياه من ملوثات كيميائية وتعريضها السلاحف، التي تطفو على سطح الماء لتنشق الهواء، للخطر. وتستوجب هذه الحيوية، في المرحلة المقبلة، دراسة أوسع لنشاط هذه الكائنات الجميلة والحيوية والمهددة بخطر الانقراض وهو ما من شأنه أن يوفر لنا رؤية أشمل وأعمق لطبيعة الساحل اللبناني ولخصوصياته وتنوعه البيولوجي. وفهم دور السلاحف ضمن السلسلة الغذائية للموائل وبالتالي أهميتها وسبل الحفاظ عليها. وتشكيل أرضية معرفية بيولوجية تؤسس لفهم أعمق لسبل التنمية المستدامة للشاطئ ومحيطة وللحرف المعتمدة عليه وبشكل خاص الصيد البحري والتي يفيد منها آلاف العوائل اللبنانية.


greenarea: نود أن يكون القارىء على بينة من الأهمية البيولوجية للسلاحف ليكون شريكا في حمايتها؟  
 د. هشام يونس: ثمة الكثير من الدراسات حول السلاحف البحرية وأهميتها البيولوجية، خصوصا في السنوات الأخيرة وذلك لأسباب عدة. فعلى الرغم من أن السلاحف تعد إحدى أقدم كائنات الكوكب وتلعب دوراً حيوياً في البحار والمحيطات وكذلك الشواطئ، فإن العديد من جوانب حياتها وأدائها البيولوجي لا زال غير مستوفٍ المعطيات والبحث ويشكل ثغرة في المعرفة البيولوجية البحرية بحيث أن إحدى فصائلها السبع المتبقية إلى اليوم هي المسطحة الدرقة أو الدرع (القوقعة) Flat back التي صنفها الاتحاد العالمي لحماية الطبيعة (IUCN) فصيلة “غير مستوفية البيانات”، فيما يعتبر موضوع التمايز الجيني ضمن الفصيلة الواحدة بالنظر إلى محيطها الإيكولوجي (السلاحف ذات الرأس الضخم والخضراء في بيئة المتوسط المعزولة نسبياً مقارنة بتلك على السواحل الأطلسية المفتوحة) موضع بحث مستمر. وقد تطلّع البيولوجيون الى اتجاه السلاحف لترابط نشاطها مع تفاعليات إحيائية عديدة أخرى كتجديد السهوب البحرية، ونشاط أسماك القرش، وتزايد أعداد قناديل البحر، ونشاط طيور البحر والتنوع الإيكولوجي الشاطئي بشكل عام. كما كان للتغيير المناخي وتحدياته وتداعياته المتفاقمة والتي شملت مختلف أشكال الحياة أن دفعت باتجاه دراسة الكائنات التي عاشت حقبات تغيّر جذري للمناخ خلال حقبات جيولوجية متعددة دامت عشرات ملايين السنين ونجحت في التأقلم معه فيما انقرضت آلاف الفصائل الحيوانية، فضلاً عن تأثير هذا التغيير على نشاط السلاحف وسلوكها، وبالتالي انعكاس ذلك على الموائل التي تُعدّ السلاحف فيها فصائل رئيسية أو عليا في سلم سلسلتها الغذائية.  
 greenarea: ما أهمية دور السلاحف في البحار والمحيطات؟ 
  د. هشام يونس: يتنوّع دور السلاحف البحرية بتعدّد فصائلها واختلاف نظامها الغذائي. سواء كانت لاحمة، السلاحف ذات الرأس الضخم (بشكل رئيسي)، الجلدية الظهر، منقار الصقر، أو عاشبة (السلاحف الخضراء)، أو من كلتيهما omnivore ( فصيلتي ريدلي) تقتات على اللحوم والنبات. وقد تكيّف فك السلاحف وتمايز وفق نظامها الغذائي ليؤدي وظيفته في الوصول إلى الطرائد والتعامل معها. وهي تلعب دوراً حيوياً في تأمين توازن وصحة البحار والمحيطات، وبشكل رئيسي في مناطق الحيود المرجانية والموائل الساحلية حيث تنشط وتشكل في العديد منها موقع العقد في سلسلتها الغذائية. 
  greenarea: ما هي أنواع السلاحف البحرية في لبنان خصوصا والحوض المتوسطي بشكل عام؟ 
  د. هشام يونس: تتواجد في الحوض المتوسطي وعلى السواحل اللبنانية ثلاثة أصناف من السلاحف البحرية منها صنفان يتواجدان في الموائل الساحلية ويضعان بيوضهما على الشواطئ الرملية في موسم التعشيش: السلاحف ذات الرأس الضخم والسلاحف الخضراء، فيما تجول المياه اللبنانية والحوض المتوسطي السلحفاة الجلدية الظهر (أضخم أصناف السلاحف البحرية) من دون أن تسجل حالات تعشيش لها على كامل الحوض فضلاً عن الشواطئ اللبنانية، ويعيد بعض العلماء ذلك إلى كونها حديثة نسبياً في المتوسط حيث يعتقد أن ذلك بدأ بعد العصر الجليدي الأخير مع هجرة عدد قليل من الإناث من المحيط الأطلسي. ويصنف الاتحاد العالمي IUCN الأصناف الثلاثة ضمن فئة الأصناف “المهدّدة بالانقراض”. وتلعب أصناف السلاحف البحرية الثلاثة المتمايزة بنظامها الغذائي دوراً هاماً في الحفاظ على صحة وتوازن وتنوّع الموائل البحرية في المتوسط وعلى السواحل اللبنانية، حيث تؤدي السلاحف الخضراء ومن خلال تناولها أطراف الأعشاب البحرية دوراً حاسماً في تحسين صحة منابتها مما يؤدي إلى تنشيط وإحياء الموائل التي تعتاش عليها وفي محيطها، وبالأخص تلك الصغرى الدقيقة من العوالق والقشريات واللافقريات والتي تعد غذاءً رئيساً في أسفل السلسلة الغذائية وهو ما يجعل دورها حاسماً في تنشيط وحفظ تلك الموائل. 
  greenarea: نعلم أن للسلاحف دورا هاما وكبيرا على مستوى المحيط الايكولوجي الذي تعيش فيه، هل تعطينا لمحة موجزة عن هذا الدور وأهميته؟ 
  د. هشام يونس: تعتمد السلاحف ذات الرأس الضخم، وهي الأكثر تواجداً في الحوض المتوسطي، وعلى السواحل اللبنانية، على فكيها القويين لسحق غذائها من المحار والقشريات وسرطانات وقنافد البحر والإسفنج فضلاً عن قناديل البحر وغيرها. وهو ما يوفر المغذّيات للمحيط الايكولوجي لقاع البحر ويوزعها ويعيد تدويرها. كما أن السلاحف وأثناء عملية بحثها في القاع تعمل على تدوير وتنشيط تلك المواقع التي تشكل موائل للعوالق واللافقاريات التي تتغذّى من بقايا ما تخلّفه السلاحف مما ينشط ويعيد تجديد كامل المحيط الإيكولوجي. كما تسهم السلاحف ذات الرأس الضخم والجلدية الظهر (أضخم أنواع السلاحف البحرية) التي تعتمد على قناديل البحر في نظامها الغذائي (يصل استهلاك السلحفاة البالغة إلى ما يعادل 200 كيلو يومياً) في الحفاظ على معدلات متوازنة منها خاصة أن تزايد قناديل البحر يعني بالضرورة تناقص أعداد الأسماك بشكل عام حيث إن القناديل تعتمد على بيوض ويرقات الأسماك في غذائها وبالتالي فإن تزايد أعدادها يعني القضاء على أعداد أكبر من الأسماك وهو ما يؤدي إلى إخلال بالسلسلة الغذائية ويلحق، بالتالي، ضرراً بالتنوع والتوازن البيولوجي للمنظومات الأحيائية. وبالإضافة إلى دورها في البحر، تلعب السلاحف دوراً حيوياً على الشواطئ أثناء موسم التعشيش الذي يستمرّ ستة أشهر، فالبيوض التي تخلفها السلاحف بمعدلات عالية (بين 100- 120 بيضة للعش) تشكل مادة غذائية غنية للشواطئ وغطائها النباتي والطيور والحيوانات سواء فقست أو فسُدت (القشرة وبقايا السوائل). كما تشكل صغار السلاحف، غذاءً للثعالب الحمراء والطيور البحرية والسرطانات وغيرها. فضلاً عن أن حركة السلاحف بين الشاطئ والبحر تؤدي دوراً في نقل المغذيات المتمايزة بالاتجاهين. فالشواطئ التي ترتادها السلاحف هي أكثر غنى وأكثر تنوّعاً ونشاطاً من باقي الشواطئ. وتشكل السلاحف البحرية، وكذلك الأسماك اللاحمة الأخرى مثل القرش وفقمة الراهب وغيرها، عنصراً أساسياً وحيوياً في تكوين المحيط الإحيائي المتوسطي واللبناني وفي الحفاظ على صحته وتوازنه. ومن دون تلك الحيوانات الحيوية للغاية فإن التنوع البيولوجي وتوازنه يصبح عرضة للاختلال والفقر. من هنا فإن الحفاظ على هذه الحيوانات يشكل ضرورة إحيائية قصوى للحفاظ على صحة وتنوّع وغنى السواحل اللبنانية بيولوجياً. وهذا يفيد، ما تقدم، مصائد الأسماك والصيد البحري الرشيد لأنواع الأسماك الأخرى التي تتنوّع وتتكاثر في ظل وجود هذه الأصناف الأساسية في السلسلة الغذائية للسواحل المتوسطية بما فيها السواحل اللبنانية.


greenarea: ما هي الخطط المفترض اتخاذها للحفاظ على السلاحف البحرية؟   د. هشام يونس: إن أي خطط تنمية مستدامة جدية لا بد أن تلحظ هذه الحقيقة وتعمل على الحفاظ على هذه الحيوانات وتوفير كل ما يلزم من شروط الحفاظ عليها وتكاثرها لما في ذلك من ضرورة إحيائية ومعرفية وأخلاقية بالدرجة الأولى لكائنات وجدت في هذه المنطقة قبل ملايين السنين من وجود البشر ونجحت في البقاء على الرغم من التبدلات المناخية والجيولوجية الجذرية ولكنها اليوم تواجه الانقراض بسبب تدخلات وتعديات البشر. ولعل أهم الخطوات التي يجب اتخاذها لحفظ هذه الكائنات الحيوية والساحرة يكون بـ: -تطبيق تشريعات حفظ الحيوانات البرية والبحرية، وتحديد مناطق حماية لها. -وقف التعديات وأعمال البناء على الأملاك البحرية العامة أو بالتحايل بالبناء على عقارات ساحلية جرى تعديل تصنيفها العقاري من زراعي إلى سياحي أو تجاري لكي تفيد من الواجهة الشاطئية لبناء مشاريع تجارية “سياحية” من غير معرفة المسوغات القانونية لإجراء كهذا. والتي لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات البيئية والتراثية للعقار خاصة في مناطق مصنفة تراثية وحضارية هامة. -حظر ومعاقبة استخدام الديناميت والسموم في الصيد وتحديد أنواع شباك الصيد وأماكن استخدامها وعدم رمي بقايا شباك الصيد وخيطان وسنارات (خطاف) الصيد في الماء. -عدم إلقاء أيّ شكل من أشكال النفايات في البحر وحظر إقامة مكبّات قريبة من الشاطئ كذلك منع تحويل المياه المبتذلة ومخلفات المصانع من المواد الكيميائية وبقايا الزيوت إلى البحر. -العمل على تنظيم دورات توعية لصيادي الأسماك حول أهمية هذه الحيوانات وكيفية الحفاظ عليها والتعامل معها في حالات الوقوع في شباك الصيد أو التقاط صنارة صيد. -تأسيس منطقة حظر صيد تبدأ من الشواطئ حيث مواقع نشاط السلاحف ومواقع مبيض وتكاثر الأسماك بعرض 1-2 كلم. -اعتماد سياسة ممنهجة للحدّ من استخدامات البلاستيك بدءاً من الأكياس بحيث تسعى السلاحف لالتهامها ظناً منها أنها قناديل بحر مما يؤدي إلى اختناقها ونفوقها.  


أجرى الحوار – سلام ناصر
12 آب/ أغسطس 2015 
الرابط 
https://shorturl.at/nPyNa

Tuesday, 28 February 2017

إستصراح: متابعة لجهود المرصد الأخضر في توثيق وملاحقة التعديات: الطبسون ضحية الصيد الجائر | Commentary: Another Silent Victim — The Rock Hyrax and Green Observatory's Ongoing Fight Against Poaching




Credit: Hussein Dauod

اشتهرت طبيعة لبنان تاريخيا بتنوع بيولوجي فريد من نوعه، إلا أن الصيد الجائر والتمدد العمراني والتلوث وهدم الموائل، كانت وما تزال عوامل ساهمت في انقراض العديد من الأنواع الحيوانية والنباتية، وتراجع أعداد أنواع كثيرة إلى مستويات خطيرة، خصوصا وأن هذه الكائنات الحية هي جزء من توازن في منظومات إيكولوجية متكاملة، وما يؤثر على نوع منها يهدد بقيتها بانخفاض أعدادها وصولا إلى الإنقراض. في هذا السياق، نقل موقع “الجنوبيون الخضر” صورة بتاريخ 22 شباط (فبراير)، على موقع التواصل الإجتماعي “فيسبوك” خبرا عن إقدام المدعو حسني هاشم الملقب بـ “أبو عاطف”، من بلدة شبعا في الجنوب، مواليد الأول من شباط (فبراير) 1993، على اصطياد طبسونين، ومستعرضا هذا “الإنجاز” بفخر!

الطبسون 

  ويعتبر “الطبسون” من الكائنات المهمة في لبنان، فضلا عن أنه لم يبقَ منها إلا القليل، في محميتي “جبل موسى” و”أرز الشوف” ومناطق عدة من المتن الأعلى والجنوب، وهو حيوان خجول ذو طبيعة غامضة، يفضل الإختباء في الشقوق والجحور الصخرية بعيدا عن البشر، ويقتصر وجوده حالياً على أفريقيا والشرق الأوسط، ويوجد في لبنان ثلاثة أنواع منه، هي: طبسون الصخر، طبسون الغابات وطبسون الشجر، ويعرف الطبسون علميا باسم Procavia capensis وهو من الثدييات الصغيرة، إلا أنه ينتمي الى فصيلة الظلفيات، وأقرب الأنواع إليه هو الفيل، فهما يتشابهان من حيث التشريح والرائحة، ويعتقد العلماء أنهما من أصل واحد يرجع إلى 2 أو 77 ملايين عام مضى، ويتغذى الطبسون على النباتات والحشرات ويرقات الحشرات، ويعيش ضمن مجموعات يترأسها ذكر، وتلد أنثاه بعد فترة حمل بين 6 و 7 أشهر، وتنجب ما بين 2 و 4 صغار، تبدأ عادة بتناول الطعام الصلب بعد اسبوعين من الولادة وتفطم بعد 10 أسابيع، وتصبح بالغة جنسيا في فترة لا تتجاوز 16 شهرا، وتعيش هذه الحيوانات حتى 10 سنوات، وتتميز بإخراج مادة تسمى hyraceum وهي خليط من البراز والبول، يستخدم في الطب الشعبي في أفريقيا لعلاج حالات الصرع والتشنجات العصبية، كما يستخرج من هذه المادة مادة عطرية شبيهة بعطر المسك لتصنيع العطور، وتعتبر هذه الحيوانات مهددة بالإنقراض في لبنان، بسبب الصيد الجائر والتوسع العمراني على حساب الغابات والأحراج. 

  المرصد الأخضر  

 في هذا المجال تواصل greenarea.me مع الناشطة في جمعية “الجنوبيون الخضر” طالبة الدراسات العليا في مجال Biotechnologie Vegetale في فرنسا، ومنسقة المرصد الأخضر زهراء جعفر، فأشارت إلى أنه “تم توثيق هذه الحادثة في المرصد الأخضر لاتخاذ الإجراءات المناسبة”، وعن المرصد الأخضر التابع لـ “الجنوبيون الخضر”، قالت: “أنشئ المرصد بهدف توثيق التعديات على الحياة البرية من نباتات وحيوانات، ولدينا تطبيق الـ Green Observatory App، إذ نحاول متابعة التعديات لجهة نوع الكائن الحي، وطبيعة التعدي إن كان بالدهس او استخدام السلاح، وزمن ومكان الحادث، ومعرفة اسم الجاني، فضلا عن توثيق الحادث بالصور والفيديو، وبعد تكملة هذه المعلومات، نتوجه إلى المدعي العام البيئي، مع عدم ذكر مصدر المعلومات بهدف الحفاظ على سرية المدعي ومصداقيتنا، ونتابع الموضوع، بعد التوثيق والإبلاغ وإجراءات القضاء”. وقالت جعفر: “نحن مجموعة من الأفراد في المرصد، كل منا أوكلت إليه مهمة، فأساهم مع زميلة بنص الكتاب، ليوقعه رئيس الجمعية الدكتور هشام يونس، ويتابع الكتاب أفراد آخرون لدى الجهات المسؤولة، ونقوم بتوثيق الحوادث على خارطة خاصة بلبنان، وتعطينا فكرة عن نسب حالات التعدي في كل منطقة وأنواع الحيوانات وأعدادها، بهدف متابعة هذه الحيوانات والمحافظة عليها”.

يونس: إخبار للنيابة العامة البيئية 

  من جهته، أشار رئيس جمعية الجنوبيون الخضر الدكتور هشام يونس أن “كتاب الإخبار قد نظم وسيكون لدى القاضي البيئي اليوم الإثنين 27 شباط (فبراير) الجاري”، وأضاف: “كل الحالات توثق في المرصد الأخضر، وبرأيي، إن كل الكائنات الحية معرضة للخطر في لبنان ما عدا الخنازير البرية، فعملية صيد الطيور والحيوانات مستمرة دون أي رادع، وعلى الرغم من الجهود المبذولة، نحاول توثيق هذه الحالات ومتابعتها”. وقال يونس: “ثمة بطالة في العديد من المجالات، ولكن هناك حاجة للإختصاصات في مجالات المحافظة على الحيوانات وعلاجها، وأتوجه عبر greenarea.me بضرورة التوعية على اختصاصات من هذا النوع، وعلى الحكومة توفير منح دراسية في هذا المجال، فضلا عن دعم مراكز العناية الموجودة، وإنشاء مراكز عناية متخصصة لعلاج الحيوانات، وهذا ما نأمل القيام به ضمن خطوات مستقبلية عديدة”. 


  جمعية المحافظة على الطبيعة في لبنان   وفي هذا السياق، أصدرت جمعية المحافظة على الطبيعة في لبنان SPNL بيانا ذكرت فيه أنها أرسلت كتابا إلى وزير البيئة اللبناني طارق الخطيب، طالبة منه الادعاء امام النيابة العامة التمييزية ضد هذا الانتهاك الجائر لقانون الصيد، وللاتفاقيات الدولية المعنية بالتنوع البيولوجي، وطلبت من المحامي البيئي في جبل لبنان التحرك، واعتبار بيانها بمثابة اخبار. وقالت جمعية حماية الطبيعة في لبنان SPNL انها تضم صوتها الى جانب مركز الشرق الاوسط للصيد المستدام وشركائها الدوليين Birdlife International وBirdfair UK ومختلف الجمعيات البيئية وجمعيات الرفق بالحيوان، لوقف القتل غير القانوني للطيور والثدييات في لبنان، والتشدد في انزال اشد العقوبات بحق المخالفين.   دعم الناشطين والجمعيات البيئية الفاعلة   وسط الفوضى والفلتان والتجاوزات في ملف الصيد، أصبحت رؤية وتوثيق حالات صيد وإصابة حيوانات وطيور مهددة بالإنقراض أمرا شائعا، بحيث لا يمر يوم دون خبر من هنا وهناك، وقد ساهمت “جمعية Green Area الدولية” بالتعاون مع جمعيات بيئية عدة وناشطين بيئيين من كافة المناطق اللبنانية، في مجالات التوعية وإيجاد أماكن لعلاج هذه الحالات وإيوائها، ولكن هذه المبادرات لا تسد إلا جزءا من الفراغ الموجود، وفي ظل التقاعس الحكومي فعلى المسؤولين، وخصوصا وزارة البيئة، أخذ زمام المبادرة، والحزم في إقرار قانون شامل لوقف هذه التعديات، بالإضافة إلى دعم الناشطين والجمعيات البيئية الفاعلة، وأخذ دورها في توفير أماكن متخصصة لرعاية الحيوانات المصابة، ومراكز عناية ومتابعة وعلاج حالات الإصابات وتأهيل الكائنات البرية والبحرية، أو المساهمة في نفقات علاجاتها، فضلا عن دعم المبادرات الفردية وغير الحكومية للمحافظة على الحياة البرية، توفير التوعية والإرشاد والتثقيف البيئي في برامج منوعة للمختصين وللأفراد، وإلا فإن ما نزال نشهده اليوم يهدد بيئتنا بالمزيد من التدهور.


سوزان أبو سعيد ضو
غرين إريا
  27 فبراير/ شباط 2017

https://shorturl.at/UpMI2

Friday, 23 September 2016

"القطيع الذهبي" مؤشر حيوية البرية اللبنانية "The Golden Pack": A Sign of the Vitality of Lebanon’s Wilderness

(Credit: Sami Diab)


يُعدّ هذا المشهد، الذي التُقط من قبل أحد ناشطي جمعية "الجنوبيون الخضر" في جنوب لبنان خلال صيف عام 2016، لقطيعٍ من بنات آوى الذهبية (خمسة أفراد)، من أبرز المشاهد التي توثّق الحياة البرية في لبنان في السنوات الأخيرة، ولعلها من أندر الصور التي تُظهر هذا العدد من هذه اللواحم في قطيع واحد، وقد أطلقنا عليه اسم "القطيع الذهبي".

ويُشير المشهد إلى غنى البرية اللبنانية وحيويتها، على الرغم من غياب السياسات المستدامة لحمايتها، وعلى الرغم من الضغوط والتحديات المتزايدة، وفي مقدمتها الاعتداءات المستمرة للاحتلال. كما يُظهر هذا المشهد القدرة على التعافي والمرونة التي تتمتع بها النظم البيئية البرية في لبنان إذا ما أُتيحت لها الفرصة، وهي من الركائز الأساسية لأي تنمية مستدامة

This scene, captured by one of the Green Southerners' volunteers in southern Lebanon during the summer of 2016, features a pack of five golden jackals. It stands out as one of the most striking portrayals of Lebanese wildlife in recent years, and is likely among the rarest images to document such a number of these carnivores together in a single pack — a sight we’ve called “The Golden Pack.”

It reflects the richness and vitality of Lebanon’s wilderness, despite the lack of sustainable protection policies and mounting pressures, most notably the ongoing aggression of the occupation. It also underscores the resilience and regenerative capacity of Lebanon’s wild ecosystems when given the opportunity, a core pillar of any truly sustainable development.

Tuesday, 17 May 2016

مقابلة/ إستصراح: الجنوبيون الخضر: الدولة اللبنانية مسؤولة عن تدمير شاطئ عدلون | Green Southerners Hold Lebanese Government Accountable for the Destruction of Adloun’s ShoreInterview & Commentary :


أسبوع مضى على بدء عملية تدمير شاطئ عدلون (قضاء صيدا) بعدما تقرر تنفيذ مشروع "المرفأ" الذي أعلن وزير الأشغال العامة والنقل غازي زعيتر عن انطلاق العمل به في زيارة قام بها بتاريخ 9/1/2016بمرافقة مدير عام النقل عبد الحفيظ القيسي.

"ميناء دولة الرئيس الاستاذ نبيه البحري للصيادين وللنزهة" هو المشروع الذي رصدت له وزارة الأشغال العامة والنقل مبلغ ناهز الـ 7.3مليار ليرة في منطقة تفتقر بحسب أبنائها للبنى التحتية. أما العنوان العريض فهو تقديم خدمة لصيادي عدلون ولانماءها علماً أن أبعد مرفأ عن المدينة يبعد مسافة خمسة كيلوميترات لا أكثر وأن عدد الصياديين في المدينة وبحسب اهاليها لا يتجاوز الـ15صياد قسم منهم لا يزاول مهنة الصيد بشكل  منتظم.

اذاً حضر زعيتر و"بارك" بدء العمل بالمشروع، قائلاً:"بعد استكمال كل النقاط القانونية فيما يتعلق بتلزيم المشروع وامر المباشرة ومكتب الاستشاري. وقد حاول البعض العرقلة لكن نحن نعمل تحت سقف القانون وبالنهاية ينتصر القانون وينتصر حق الشعب في الحياة". على ان حرص زعيتر على احترام القانون ومباركة القانون غاب عنه ضرورة احترام الخصوصيات البيئية والتاريخية والأثرية للشاطئ الذي سيقام عليه المشروع والذي يفرض اجراء مسح للمكان وتقييم للأثر البيئي فيه وهو الأمر الذي لم تكترث له الوزارة.

منذ أواخر العام 2014بدأت جمعية "الجنوبيون الخضر"(هي حركة اجتماعية بيئية، تراثية وثقافية مدنية) بالتحرك لحماية الشاطئ واعلانه محمية طبيعية واثرية ورفض اية أعمال قد تلحق الضرر بخصوصيته. على صفحتهم على موقع فايسبوك، رفع "الجنوبيون الخضر" عريضة تشرح الأسباب الموجبة التي تدفع بالعديد من الجمعيات الأهلية وهيئات المجتمع المدني الى السعي للمحافظة على شاطئ عدلون وإعلانه محمية بيئية وأثرية. حيث "يشكل شاطئ بلدة عدلون موقعاً تاريخياً وبيئياً فريداً على الحوض المتوسطي. ويعود تاريخ البلدة إلى عصور ما قبل التاريخ. حيث دلت الحفريات وكهوف البلدة أنها واحدة من أقدم مواقع الإستقرار البشري في المنطقة ولحقب طويلة.

ويعدّ الشاطئ بتضاريسه جزءاً من موقع أوسع ضم أثار مدينة "مآروبو الفينيقية" ومرافئها الثلاثة التي كانت قائمة على خلجانها الطبيعية الصخرية. كما يضم العديد من المواقع والآثار الظاهرة؛ التي تتضمن آثار المرافئ الفينيقية وأحواضاً صخرية مفتوحة على البحر وأخرى مقفلة بالإضافة إلى ملاحات بقيت مستخدمة من قبل أهالي البلدة حتى أواخر سبعينيات القرن الماضي وتشكل، كما الشاطئ، جزءاً من ذاكرتهم الجماعية.

بالإضافة إلى غناه الأثري، بإعتباره موقع المدينة القديمة ومرافئها، ويشكل الشاطئ بتنوع تضاريسه الصخرية والرملية وتدرّج أعماقه، موقعاً إيكولوجياً غنياً ومتنوعاً سواءً على اليابسة أو في البحر".

في مقابل هذه الخصائص كان مدير عام النقل عبد الحفيظ القيسي قد شرح خلال مرافقته للوزير زعيتر في زيارته للمكان مضمون المشروع الذي تمّ تلزيمه الى شركة خوري للمقاولات بقيمة 7.3مليار ليرة لبنانية ستدفع من ضمن الموازنة العامة لوزارة الأشغال العامة والنقل. فقال: "ان المشروع عبارة عن مرفأ للصيادين والنزهة ويتضمن انشاء "سنسول" حماية رئيس بطول 600متر و"سنسول" حماية سانوي بطول 240متر وأحواض مائية يتراوح العمق فيها ما بين مترين ونصف وهي أحواض لمراكب الصيادين الى خمسة أمتار التي هي أحواض لمراكب النزهة. اضافة الى كل الخدمات التي تقدم للصيادين من غرف للحفاظ على الشباك وتجهيزاتهم ومركز للتعاونية وسوق لسمك ومركز صيانة المراكب. والى جانب المرفأ سيكون هناك وعلى مسافة 50ألف متر مربع مسبح مجاني للعموم وستكون الخدمات فيه مؤمنة مجاناً والدخول اليه مجاناً".

وفي حديث مع "المفكرة القانونية" يشرح رئيس جمعية "الجنوبيون الخضر" الدكتور هشام يونس الأضرار التي سيخلفها هذا المشروع بالنسبة للمنطقة معتبراً الاّ مسوغ جدي ومقنع لتنفيذه سوى مصالح خاصة ستجلب الدمار للمكان. وقال:" ان المرفأ سيقام على قسم أساسي من واجهة عدلون البحرية التاريخية بما فيها تلك المواجهة لكهوفها ما قبل التاريخية ( قرابة 300متر). وهي تشكل، وفقاً لخلاصة أبحاث العالمين غودفري زوموفن ومن بعده دورثي غارود، اللذين لهما تعود أهم التنقيبات والأبحاث المنشورة حول عدلون، موقعاً تاريخياً مترابطاً".

وتابع:" يقوم المشروع بالكامل على مساحة من المقدر أن تتجاوز المئة ألف متر مربع من الممتلكات العامة البحرية نصفها يشكله الشاطئ والنصف الآخر من خلال عملية ردم البحر، من دون أي وازع قانوني. إن أعمال الردم الواسعة التي سيتضمنها المشروع ستلحق أضراراً بليغة بالتنوع البيولوجي للشاطئ العدلوني. وهو ما سيكون له، بعكس مزاعم المشروع، تداعيات سلبية على حرفة صيد الأسماك في كامل المنطقة. كما من شأن عملية الردم هذه أن تؤدي إلى تدمير موائل السلاحف البحرية التي لا زالت تتواجد في محيط الموقع وتعشعش على شطآنه وهو ما سيؤدي إلى اختلال إضافي في النظام البيئي للمحيط والذي تلعب السلاحف البحرية فيه دوراً حيويا".

أضاف: "هم يقولون انهم سيفيدون صيادي الاسماك ولكن هذا غير صحيح لأنهم سيقومون بتدمير نحو 50ألف متر مربع من البحر. يعني يصبح لدينا تدمير نحو 100ألف متر مربع ما يعني تدمير كامل للشاطئ. ناهيك عن ان تدمير مصائد الاسماك والتلوث الناجم عنها لن يدمر عدلون وحسب وانما سيطال الشاطئ. هذا فضلا عن اننا نتكلم عن مرفأ بضخامة تسع أحواض تتسع لنحو 400مرسى و"سنسولي" حماية وهي مقاييس تتجاوز مقاييس مرفأ صور أو صيدا حجماً، في بلدة تفتقد إلى البنية التحتية المناسبة وتعاني ومواقعها التاريخية والبيئية إهمالاً مزمنا".

ومن الناحية القانونية لفت يونس الى انه لا يحق للشركة الملتزمة بتنفيذ المشروع المباشرة بالعمل ذلك ان "الجنوبيون الخضر" كانت قد رفعت كتاب الى وزارة البيئة في 22كانون الاول 2014وآخر الى وزارة الثقافة في آذار 2015من أجل التدخل لوضع حد لهذه الجريمة. وقد طالبوا بإعلان شاطئ عدلون محمية طبيعية وأثرية، وإتخاذ كل ما يلزم للحفاظ عليه متنفساً للجوار. وقد تحدث يونس في 14كانون الثاني 2016مع لارا سماحة مديرة النظم الايكولوجية في وزارة البيئة حول الموضوع كما تقدمنا كجمعية الى وزارة البيئة بكتاب نطلب فيه التدخل السريع لوقف الاعمال في المكان.

وأضاف: "كما أرسلنا الى وزارة الثقافة كتاباً اول في 3/9/2015وبدوره أرسل مدير عام وزارة الثقافة في 15/9/2015كتاباً الى وزارة الاشغال العامة يطلب فيه كل الخرائط مع ضرورة إجراء مسح قبل البدء بأي عمل في المكان، لأنه موقع أثري. لكنه لم يلقَ جواباً. وبتاريخ 5كانون الثاني 2016، كنت في اجتماع مع المدير العام وأرسل كتاب ثاني بحضوري وقد علمت بعد حوالي عشرة ايام انه لم يأتِ رد على الكتاب الثاني. وهذا يعني انهم لم ينالوا موافقة لا وزارة الثقافة ولا وزارة البيئة ولكن بالمقابل يقولون ان لديهم موافقة من قبل وزارة الثقافة ووزارة البيئة وبهذه الحجة يحاولون اسكات اهالي عدلون".

ولفت يونس الى انه"كان هناك تعتيماً كاملاً حول الموضوع قبل ان تعرف الجمعية به. وقد التقيت برئيس بلدية عدلون وطلبت تأجيله الى حين القيام بمسح ودراسة للأثر البيئي. فأخبرني ان العمل عليه بدأ منذ ثلاث سنوات وحضروا له موازنة ضخمة. فاذا كان مرفقاً عاماً ولصالح أهالي البلد لماذا هذه السرية؟ لأنه ببساطة هناك أمور أخرى مرتبطة فيه، منها أنه في أثناء العمل عليه كان يجري العمل على التصنيف العقاري للعقارات المتاخمة للمشروع والتي هي مناطق زراعية تجعل من عدلون دوحة خضراء. لكن تمّ تعديل تصنيف قسماً كبيراً منها لتصبح سياحية وتجارية. 

وختم قائلاً:"يعرف المعنيون بالمشروع منذ البداية انهم يدمرون موقعاً اثرياً وبيئياً فريداً لذلك لم يقدموا تقييماً للأثر البيئي، ولذلك تجاوزوا موافقة وزارتي الثقافة والبيئة ولذلك لا زالوا يتجاهلون تقديم اي معطيات مطلوبة للوزارتين بل يدعون بأنهم نالوا الموافقة امام أهالي عدلون. ان الحكومة اللبنانية مجتمعة مسؤولة عن حماية عدلون التي بدأت وزارة الأشغال تدمير واجهاتها وآثارها وردم بحرها ضاربة بعرض الحائط كل القوانين التي تحفظ الموقع لخصوصيته التاريخية والأثرية والبيئية لصالح مرفأ "يخوت".

وتزامناً مع تحركات الجمعيات البيئية في المنطقة انطلقت حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي شعارها هاشتاغ  #انقذوا_عدلون وقد لاقت انتشاراً واسعاً بين النشاطين وذلك للاضاءة حول القضية وتشكيل أكبر قوة ضغط ممكن لانقاذ المنطقة قبل تدميرها وحتى لا يكون مصيرها كما حال دالية الروشة. كما اعد "الجنوبيون الخضر" عريضة يطالبون بها بإنقاذ شاطئ عدلون.

 

رانيا حمزة، المفكرة القانونية

21 يناير /كانون أول  2016 

الرابط: 

https://shorturl.at/CIetz

Thursday, 1 October 2015

إستصراح: «الجنوبيون الخضر» واليوم الوطني للسّلاحف البحرية | Commentary: "Green Southerners" and the National Day for Sea Turtles



 Credit: H. Younes 

تقدَّم «الجنوبيون الخضر»، وهي جمعية تعنى بالبيئة والتراث في لبنان وبشكل أساسي في الجنوب اللبناني، في أيلول من عام 2014 باقتراح إلى وزارة البيئة لإعلان الخامس من أيار يوماً وطنياً للسلاحف البحرية في لبنان. ويضع مؤسس الجمعية ورئيسها هشام يونس (ناشط وأكاديمي) الاقتراح في إطار تصوّر الجمعية لموضوع حماية واستعادة الحياة البرية في لبنان والجنوب (rewilding) وهو المفهوم الذي تعتمده الجمعية في أدبياتها ونشاطها بغية التأسيس لتنمية مستدامة حقيقية قوامها البيئة والحياة البرية اللبنانية والتراث العاملي واللبناني.  
يشرح يونس أسباب هذا الاقتراح بأن «السلاحف البحرية باتت مهددة جدياً بالانقراض عن السواحل اللبنانية في حال استمرت التعديات المتفاقمة، سواء كانت بالإنشاءات العشوائية المتعدية على الشاطئ اللبناني، أو التلوث ورمي النفايات وتحويل مياه الصرف الصحي وتلك السامة من المعامل والمصانع باتجاه البحر، إضافة إلى كل أشكال الصيد البحري غير القانوني من استخدام الديناميت الذي ما زال شائعاً». وكل ذلك، بحسب يونس، «من شأنه أن يقوّض التنوع البيولوجي ما يفسّر انقراض أعداد من انواع الأسماك أو انحسارها بعدما كان يشتهر بها البحر اللبناني».
ويشير يونس إلى خطورة ما يسميه تعديل أو التلاعب بالتصنيف العقاري، «معظم العقارات المتاخمة للشاطئ كانت مصنّفة زراعية أما اليوم فإننا نجد أن العديد منها بات مصنفاً سياحياً». وبحسب يونس، تهدف «الجنوبيون الخضر» إلى تعميم الوعي انطلاقاً من «كون ذلك مسؤولية أخلاقية تجاه كائنات جميلة تعد الأقدم على وجه الأرض وتعود إلى كثر من مئة مليون سنة ونجحت في البقاء على قيد الحياة وهي موجودة على شواطئنا قبل أن يخطو عليها أي إنسان ويهدّدها اليوم الجشع والفوضى، كما أنها تلعب دوراً حيوياً في تجديد حياة الموائل البحرية والشاطئية». ويلفت الرجل إلى عدد من الأنشطة الخاصة بيوم السلاحف الوطني تنظّمها الجمعية في الأسبوع الأول من أيار بالتعاون مع عدد من الجمعيات المعنية.


 فراس خليفة، جريدة الأخبار

 29 إبريل/ نيسان 2015

الرابط: 

https://www.al-akhbar.com/Baladi/20018

Friday, 10 July 2015

مقابلة: رئيس جمعية «الجنوبيون الخضر» هشام يونس: نراهن على إشاعة الوعي | Hisham Younes, Head of "Green Southerners" Association: We Are Betting on Raising Awareness




لفت اسم”الجنوبيون الخضر” نظر الناس خلال فترة قصيرة جدا، خاصة بُعيد تقديم الجمعية شكوى حول سرقات للاثار تتم في منطقة صور. وقد أثار الاسم الانتباه كونه من عادات الشباب – خلال العقد الاخير- الابتعاد عن القضايا الوطنية والثقافية والتعلق باهتمامات تسلوية لا تقدم ولا تؤخر. لكن كعادته لا يكل من الاضاءة على كل ما يقدم الافضل لمدينته أولاً وللبنان أولاً وأخيراً، وهو الدكتور هشام يونس. وفي “شؤون جنوبية” سعينا للاضاءة على دور الجمعية الناشئ لمزيد من المساهمة في لجم حركة الفساد ومنع تمددها وهذا أقل الواجب.

 “الجنوبيون الخضر”. ما سبب اختيار هذا الاسم؟ وكيف تم ذلك؟

الدكتور هشام يونس : أنطلقتُ بالتسمية منذ ما يقرب السنتين والنصف من فكرة ارتباط الجنوبيين بالأرض والفلاحة التي مارسها معظمهم وهي أكثر الحرف التصاقاً بالأرض، كما أنها تحمل الكثير من الإنتماء والحب للأرض، وأردت أن نضعه في سياق رؤية بيئية للجنوب تحفظ مناطقه الخضراء سواء عن طريق الحمى أو المحميات الطبيعية وكذلك التصنيف العقاري.

الاهتمام بالبيئة والشباب والشأن الثقافي لمنطقتك جزء من سيرتك، وقد سبق لك أن أسست جمعيتين في مدينة صور “ملتقى الشباب الثقافي” ونادي “ملتقى الشباب الرياضي” هل تعتبر نفسك من جيل انقرض؟

في الحقيقة، أنا أعتز بتواضع بتجربتي في العمل الأهلي، وأعتز بالجمعيتين اللتين سبق أن أسست ملتقى الشباب الثقافي في صور(1996) ونادي ملتقى الشباب الرياضي(2006)، وهما اليوم جمعيتان فاعلتان رائدتان بجهود ومثابرة الأخوة الشباب المتابعين لهما وإخلاصهم. ولطالما كان أعتقادي أن العمل الأهلي هو فعل إيمان وقناعة وليس أقل من ذلك. هو ليس عمل “أوقات فراغ” كما أنه ليس “عملاً نخبويا” وليس “إيديولوجياً”، وليس بالتأكيد “برستيج”. هو عمل الإحتكاك بالواقع والتفاعل معه وتحسسه والوقوف عند متطلباته. هو العمل الأكثر حيوية والأكثر نبلاً لانه من دون مقابل، هو فعل ايمان كامل، ومن دون ذلك لا يمكن للمرء أن يواصل نشاطه مع كثرة التحديات التي تصادفه سواء على المستوى الشخصي أو العام.

أما حول إنقراض جيلي فأعتقد بأن للأرض الأم أبناء مخلصون يأتونها جيلاً تلو آخر، وهم لا ينقرضون، ولا أود أن أبدو شاعرياً، هم يصبحون بفعل إيمانهم الذي يمنحهم هذه القدرة على النشاط، جزءاً منها، من روحها التي تسكن هذا الوجود وتمنحه كل الألوان.. لا أعتقد أن جيل الناشطين ذاك قد أنقرض. قد تكون هناك روحية خبرناها في فترة ما، قد أنحسرت لكثرة ما أصاب الحياة اليومية من تعقيدات وملوثات. هذا صحيح، ولكن هناك دائماَ ناشطون يستلهمون التجربة ويواصلون الكفاح. وعلى المستوى البيئي أرى أن الوعي البيئي في تزايد وهو مؤشر هام على نشاط أكبر وأوسع وأكثر فاعلية في المستقبل.

ما هي مهام هذه الجمعية؟ وعلى ماذا يعتمد برنامجها؟

تتركز مهام الجمعية على الجانبين البيئي والحضاري والتي نعتبر أن حفظهما وتأهيلهما والإستثمار فيهما هو الطريق الوحيد لتحقيق تنمية مستدامة في الجنوب ولبنان، ونعتقد أن أي خطة تنموية لا تأخذ بهذين الجانيين هي خطة غير جدية وغير منتجة. على المستوى البيئي لدينا رؤية حول حفظ المناطق الغنية إحيائياً في الجنوب سواء منها البرية أو الشاطئية والبحرية (مقترحات لمحميات شاطئية في كل من الزهراني- الصرفند- عدلون- البقبوق بالعباسية) شاطئ السلاحف( المنصوري) بالتعاون مع الزملاء في مشروع البيت البرتقالي ومديرته الزميلة الناشطة منى خليل وشاطئ الناقورة. كذلك في الداخل على طول مجرى نهر الليطاني الذي يشتمل على منظومات متنوعة حتى مصبه حيث هي نقطة تنوع هامة كذلك المناطق الحرجية في الداخل حيث لدينا مقترحات نعدها (محمية وادي الحنية زبقين- بيت ليف.. نظم الخضر ثلاث مسيرات للتعريف وإستطلاع الوادي ومسحه) و(محمية الناقورة- علما الشعب) وغيرها..

على المستوى الحضاري لدينا رؤية حول ضرورة حفظ وتأهيل المواقع التاريخية والتراثية في القرى والبلدات والمدن الجنوبية من قبيل مسح وتصنيف وحفظ المنازل التقليدية وإيجاد دفتر شروط لرخص البناء في القرى تلتزم معايير العمارة التقليدية بحيث نحافظ على الطابع التقليدي للقرى العاملية، وهو ما ينحسر بتسارع نتيجة غياب أي خطة لحماية هذا الإرث، بحيث خسر العديد من القرى الجنوبية طابعه التقليدي الجميل لصالح مبان أو “فيلات” لا لون لها ولا حياة فيها.. كذلك حفظ وتاهيل الحاضرات التاريخية في الجنوب وبالأخص على الساحل مثل سربتا التاريخية(الصرفند اليوم) والتي كانت واحدة من كبرى المدن الفينيقية حتى فترة متأخرة ولا يوجد فيها اليوم أي شيئ يدل على ذلك، وكذلك الامر بالنسبة لعدلون وكهوفها ما قبل التاريخية، وكذلك مملكة صور وأمتدادها(البص- الرشيدية- برج الشمالي- حناويه- المعشوق..)، ومتابعة موضوع الحصون والقلاع الكثيرة في الجنوب حيث يوجد أكثر من نصف القلاع الموجودة في كل لبنان ويعاني معظمها إهمالاً مزمناً، وكذلك موضوع جبل حرمون أهم جبال العالم في القيمة التاريخية، ووادي التيم، والقرى القائمة على منحدراته من الجنوب وحتى البقاع الغربي.. والكلام يطول.

اليوم نحن نعمل على ملفات حول تلك المقترحات لمتابعتها ورفعها الى الجهات المختصة وعادة نحن نتجه للتنسيق مع المجالس البلدية، ولكن في حال عدم التجاوب نتابع “بمن حضر” خاصة أننا نواجه تحدي وجود مجالس بلدية منقسمة أو لا تملك أي تصور، وقد تعادي أي تصور لسبب أو لآخر، فضلا عن وجود مجالس مسؤولة مباشرة عن التعديات التي تطال مواقع بيئية أو أثرية في مجال بلدياتها.

بالمقابل لا يخلو الأمر من وجود بعض المجالس أو بعض أعضاء المجالس متجاوبين وحريصين على خصوصيات تلك القرى والبلدات، وهم من نعمل معهم لتصورات حول المدن والقرى. وقد كان لنا لقاءات إيجابية وعملية مع بعض البلديات، ونحن على تعاون مستمر معهم في بعض الملفات البيئة أو ذات الطابع التراثي.

هل يمكن لجمعية ان تواجه حيتان الفساد في لبنان؟ خاصة ان ثمة مافيات لسرقة الاثار كما عبّرت احدى العاملات في مديرية الاثار؟

لا نخفي حجم التحدي، ونحن نراهن على إشاعة الوعي الذي يشكل أكبر داعم لنا. كما أن العديد من اللبنانيين اليوم يرى، أمام عبثية وإنقسام المشهد السياسي، في البيئة والتراث الوطني الملاذ الأخير لمفهوم “الوطن” فوق كل الإصطفافات المملة والضيقة. وهذا ما نلمسه بالتجاوب الذي نلاقيه في الملفات التي نطرح أو الأنشطة التي ننظم.

كما أننا كشفنا خلال متابعتنا الأخيرة لملف سرقة المسلات الفينيقية الجنائزية الـ66 وتقديمنا للإخبار أمام المدعي العام المالي القاضي على إبراهيم الإهتمام والجدية التي أبداها وكذلك الاتصالات التي تلقيناها وكانت كلها داعمة، تبين أنه على الرغم من كل مساوئ الأوضاع لا زال هناك من يهتم، ويحرص على هذه الثروات الإنسانية التي نحن كلبنانيين مؤتمنين عليها وليست ملكاً لنا.

وفي مطلق الأحوال نحن سنواصل تعقبنا لهؤلاء، وقد أعلنا على صفحتنا عن قائمة سوداء للصوص الأثار لكشفهم لدى النيابة العامة المالية التي أبدت إستعدادها الكامل لملاحقتهم مع توفر البينّات.

كونك تتنقل بين بيروت ولندن، هل يمكنك افادة مجتمعك من علاقاتك مع مؤسسات اوروبية تعمل في هذا المجال؟

حالياً نحن لا زلنا في مرحلة تأسيس، وهي لا زالت تتطلب الكثير من الجهد قبل الحديث عن تعاون مع مؤسسات ومنظمات دولية لا خلفيات سياسية لرغبتها بالتعاون، والذي سيأتي في مرحلة لاحقة بالتأكيد.

لماذا لا يقوم الشباب اللبناني اليوم بالعمل كمراقبين لعمليات الفساد والسرقات والنهب في القطاعات العامة دون التلهي بقضايا سياسية وحزبية غير وطنية؟

للأسف الشديد الكثير من الشباب اللبناني إستسلم للإحباط، وهو كثير التذمر ومن دون فاعلية تُذكر. ونحن نحاول دون كلل تحفيز الشباب وتشجيعهم على الإنخراط بالمبادرة والحراك الذي بدأنا به لانه ودون ذلك لا يمكن أن يحصل التغيير، ولا يمكن أن نوقف التعديات أو نحفظ البيئة والتراث بمجرد “النق” اليومي. فضلاً عن أن البعض ونتيجة الإصفافات الضيقة في البلد يشعر بأنه معني بالدفاع عن “جماعته” مهما أرتكبت من إنتهاكات ويفضل “التصويب” على إنتهاكات وتعديات “الطرف الآخر”. ولا ننسى المقولة اللبنانية المدمرة “شو وقفت عليّ” او على “فلان المسؤول” والتي تحت اسمها تجري جرائم بيئية وتاريخية لا يمكن إصلاحها.

إلا أن هذا لا يمنع من التعاون مع العديد من الأفراد وأهل الإختصاص الذين يعرضون المساعدة، كذلك مع الجمعيات البيئية الناشطة على مستوى الجنوب ولبنان، والذين تربطنا بهم علاقات جيدة جداً، وقد نظمنا مؤخراً بالتعاون مع زملائنا في مشروع “البيت البرتقالي” دورة تدريبية هي الأولى من نوعها لرعاية السلاحف البحرية.


سلوى فاضل، جنوبية

3 نوفمبر/ تشرين ثاني 2014

https://shorturl.at/pGweS

 

 





Friday, 3 July 2015

شروط إسترجاع الحياة البرية في لبنان 3/3

شروط الإستعادة

مسح وتصنيف التنوع البيولوجي للحياة البرية في لبنان والمناطق ووضع خارطة بيولوجية للحياة البرية في لبنان وكائناتها. 
- يؤسس التصنيف لوضع بُنية السلسلة الغذائية للمنظومات الإيكولوجية للحياة البرية في لبنان الحالية وأنساقها التاريخية، وتحديد رأس تلك السلسلة والحيوانات اللاحمة أو النباتية فيها التي لا زالت متواجدة ومهددة بالانقراض أو تلك التي انقرضت. وهو ما ينطبق على موقع السلاحف البحرية في بعض النظم القائمة في المناطق البحرية من الساحل اللبناني.
- تحديد الحيوانات التي تشكل «حجر العقد» فيها التي قد تكون لاحمة أو نباتية، بحرية أو برية.. وإيلاء هذه الحيوانات رعاية خاصة في سبيل إعادة ترميم المنظومة الإيكولوجية من خلال وضع قوانين صارمة لحمايتها.
- حظر الأماكن البرية (غير الخضراء أو الحرجية العامة) على كل أشكال النشاط البشري لفترة لا تقل عن خمس سنوات.
- فتح الاماكن البرية على بعضها البعض.
- إعادة تصنيف الأماكن الحرجية المفتوحة والقريبة من أماكن حرجية برية واعتبارها امتداداً لها.
- وقف اعتماد الطرق العرضية بين القرى إلا في حالات الضرورة وليس لاعتبار تسهيل التواصل وحسب، لما في ذلك من قطع أوصال البرية وهو ما يجعل فرص استعادة الحياة البرية استقلاليتها ممكنة.
- اعتماد سياسة تحريج رشيدة تأخذ بعين الاعتبار الدراسة التي سبق التطرق إليها من تحديد التنوّع البيولوجي للحياة البرية في لبنان الحالية ومسارها مما يوفر للعناصر الحية سلسلتها الغذائية وبيئة نموّها وتكاثرها.
- إعادة النظر بسياسة السدود التي لا تعير الحياة البرية أهمية خاصة. حيث يقوم بعض أهم السدود المقترحة في مناطق تشكل أفضل نماذج الحياة البرية في لبنان (وادي جنة..).
- إنشاء صندوق وطني لاستملاك المناطق البرية والحرجية المملوكة والتي يتراجع عددها بشكل مُطّرد.
- إعادة النظر في التصنيف العقاري في المناطق سواء تلك المحاذية للشاطئ أو تلك القائمة في مناطق حرجية إلى «زراعي» ريثما يتم استملاكها.



حفظ التنوع 2/3


المطلوب في المرحلة الراهنة حفظ التنوع الموجود بعد تحديده بناءً على المسح والتصنيف. وفي هذا المسعى قد يكون من الضروري إعادة توطين بعض الحيوانات ومنها المفترسة.
- العمل على إجراءات جذرية لردع التعديات الكارثية على تلك الحيوانات ومناطق الحياة البرية التي تحاصرها تلك التعديات.
- إطلاق سراح تلك الحيوانات التي ما زالت في أقفاص في أكثر من منطقة لبنانية عرضة للأذى مهما اختلفت العناوين. وإقفال ما يُسمّى حدائق الحيوانات التي لا تراعى فيها القاعدة البسيطة لحاجة هذه الكائنات لحريتها في البرية، فضلاً عن غياب المعايير الصحية والبيئة السليمة لتلك المشاريع التجارية الطابع. ويمكن في مرحلة لاحقة النظر في شكل مختلف للتعرف على تلك الحيوانات بعد إطلاق سراحها من الأقفاص بل في أماكن مفتوحة فيحظى الناس بفرصة للتعرّف عليها من دون الاحتكاك بها؛ وهناك نماذج ناجحة في أكثر من بلد.
- إعادة توطين بعض تلك الحيوانات مثل الغزلان والضباع في بعض المناطق بعد استيفاء الدراسة، وفي خطوة لاحقة وبعد دراسة مستفيضة وبعد توفير ما سبقت الإشارة إليه لفتح المناطق الحرجية على بعضها وتحديدها. ربما نخلص إلى إعادة توطين الذئاب وهو ما من شأنه إطلاق حيوية كبيرة في الحياة البرية بعيداً عن الأساطير الشائعة حول خطر الضباع والذئاب. مع العلم أنه لم تُسجّل إلى يوم وطوال القرن الماضي، أية حالة اعتداء من ضبع أو ذئب، فيما تسجل سنوياً حالات قتل متزايدة للضباع ولا يُعرف العدد المتبقي منها؛ علماً أن الضباع والذئاب تلعب دور «حجر العقد» في المنظومات الإيكولوجية على ما سبقت الإشارة في تنظيم أعداد الخنازير البرية التي تزايدت الشكوى حول تكاثرها، وهو أمر غير مستغرَب، بالنظر إلى تزايد حالات قتل الضباع.
- إن استعادة الحياة البرية سيفتح آفاقاً كبيرة على موضوع التنمية المستدامة للمناطق، وبالأخص الريفية فضلاً عن أداء دورنا في المسؤولية الإنسانية تجاه الحياة البرية ككل للكوكب الذي يعاني جراء الجشع البشري.



بين حماية السلاحف وحماية الذئاب، كيف يمكن حفظ الحياة البرية في لبنان 1/3

كيفية حفظ وإسترجاع الحياة البرية في لبنان

يُعدّ مفهوم استرجاع الحياة البرية، خلاصة تجربة وبحث وصل إليه الكثير من الناشطين والخبراء البيئيين حول العالم، من فكرة حفظ التنوع البيولوجي إلى استعادته بمعنى ترميم المنظومات الإيكولوجية وإعادة العناصر التي فقدتها نتيجة للنشاط البشري.

ولعل أول عرضٍ للمفهوم الذي أطلقه الناشط البيئي الأميركي وأحد مؤسسي حركة الأرض أولاً Earth First دايف فورمان في آخر سبعينيات القرن الماضي، كان في مقالة مايكل سولاي وريد نوس المشتركة المنشورة في العام 1998 والتي قدّمت للمفهوم خارج إطار الفهم التقليدي لحفظ الحياة البرية القائم على حفظ التنوع البيولوجي الذي يرتكز على موضوعي التنوع النباتي وحماية العناصر الحيوية الأخرى (حيوانات، طيور، أسماك..) وحسب، إلى استعادة بريّة الأرض من خلال ثلاثة عناصر: تأمين المساحات البرية الواسعة، تأمين التواصل بين المساحات البرية المنتشرة في المناطق، وضرورة حفظ دور الحيوانات اللاحمة الكبيرة وإعادة توطين ما فُقد منها من فصائل في النظم المستهدفة.

في عرضهما يخلص سولاي ونوس إلى أن المفهومين؛ «حفظ التنوع» و»استعادة الحياة البرية» متممان لبعضهما بعضاً. ففي سياق عملية استعادة الحياة البرية أو بريّة الأرض، لا بدّ من الحيوانات المفترسة التي تلعب دوراً أساسياً في هيكلية السلسلة الغذائية للنظم الايكولوجية. والتي يكفل وجودها، دون غيرها من الفصائل، بتأمين التوازن للحياة البرية وهو ما يضمن تنوعها واستمراريتها. وهو ما اصطلح عليه «تأثير باين» نسبة لروبرت باين الذي تناول دور الحيوانات اللاحمة كـ «حجر العقد» Keystone species)) في حفظ وتنسيق التنوع والتوازن البيولوجي للحياة البرية من أعلى إلى أسفل، ويأتي في أعلى «السلسلة الغذائية» الحيوانات المفترسة. ولذلك فإن فقدان أعلى السلسلة يؤدي إلى إرباك كامل المنظومة وتجاوز فصائل حية لفصائل أخرى حيوانية أو نباتية. ولعل هذا يفسر حماسة العديد من المنظمات البيئية التي تعنى بالحيوانات النباتية والتي تندرج ضمن السلسلة الغذائية للحيوانات اللاحمة (الغزلان، الخنازير البرية، أصناف القوارض.. على سبيل المثال)، حيث تواجه العديد من المحميات الطبيعية، والتي لا توجد فيها حيوانات لاحمة أو ليس بشكل متكافئ، مشكلة حيال تزايد أعداد فصائل حيوانية على أخرى بحيث تخرج عن السيطرة ويؤدي ذلك إلى تراجع حيوية النظام الإيكولوجي وأحياناً كثيرة ضموره تباعاً. وهو ما وضع إدارة تلك المحميات والمنظمات الراعية أمام معضلة أخلاقية وبيئية في آن؛ وهي كيفية التعامل مع الأعداد المتزايدة من فصائل دون أخرى أو كيفية تحديد نسب «توازنها» ضمن البنية الإيكولوجية ككل بالمقام الأول. وبخلاصة التجربة والدراسة خلُص إلى أن أنجع الطرق هي باستعادة الحيوانات اللاحمة التي تنتمي لتلك النظم والتي سبق أن فقدتها نتيجة النشاط البشري.
وينطلق المفهوم من غايات ثلاث: أخلاقية، وعلمية، وجمالية. الأولى تجد مسؤولية إنسانية حيال الضرر المتواصل الذي يتسبب به الإنسان للبيئة من حوله ويوجب عليه تحمل مسؤوليته الأخلاقية في إرجاع الأمور إلى سابق عهدها. والثاني حفظاً للمنظومة الإحيائية واستعادة لما فقدته من خلال إعادة توطين كائنات أو نباتات فقدتها خلال تاريخ طويل من اختلال المنظومات نتيجة للتعديات والنشاط البشري، ومنحها مساحات برية مفتوحة على بعضها. والثالثة العنصر الجمالي، فبرية المناطق لا تتحدّد إلا بروحها وهو ما تحققه الحيوانات اللاحمة التي تمنح النظم الإيكولوجية التوازن من جهة والروح من جهة أخرى.

البريّة كطور أول
لم يعد مفهوم حفظ التنوّع البيولوجي معنياً بالحفاظ على المتبقي من بقاع خضراء أو حرجية محدّدة بما فيها من عناصر حية أو إطلاق سراح الحيوانات البرية المحتجزة وإعادتها إلى مواطنها وحسب. وإنما وفي سبيل تحقيق حفظ التنوع واستمرارية الحياة البرية لا بدّ من تأمين عناصر «هندستها الجينية» وهو ما يتحصل بالتوازن، وذاك هو بناء السلسلة الغذائية بدءاً من العقد الأعلى ونزولاً إلى باقي عناصر السلسلة. والتي تتغيّر وتتمايز من منظومة ايكولوجية إلى أخرى وحتى ضمن المنظومة الواحدة في مسارها التاريخي.
فالحيوان اللاحم في أعلى السلم الغذائي قد يكون ذئباً في لبنان وأسداً في غابات غينيا أو قد يكون دباً في لبنان منذ 40 ألف عام واليوم هو ذئبٌ في توارث الفصائل والأدوار في المنظومات الأحيائية (Succession) ويتحدد ذلك بدراسة النظم وعناصرها وتاريخها. وقد يكون لاحماً مفترساً في بلد ونباتي في بلد آخر، كما كان الحال في العصر الجليدي حيث شكل الماموث رأس النظام الإيكولوجي لحقبة طويلة وفي أماكن شاسعة من شمال الكوكب. وما ينطبق على البر ينطبق على البحر ومنظوماته والموائل.
وفي حين يستوجب ذلك دراسة معمّقة للمناطق المستهدفة وخصوصياتها ونظمها وتاريخها الايكولوجي فإن تطبيق ذلك يجب أن يُترك للطبيعة عينها. لعل هذه الإضافة الأهم التي عمل عليها الروائي والناشط جورج مونبيوت في أهم الكتب المتناولة للموضوع اليوم Feral, rewilding the land, sea and human life المنشور في 2013 الذي يؤرخ للمفهوم وتطوره. يدعو مونبيوت إلى عدم التدخل في «إدارة» المناطق البرية على ما تفترض المنظمات والمؤسسات البيئية التي تسعى للحفاظ على المناطق البرية بل أن يترك للحياة البرية فعل ذلك وللمنظومات أن تواصل مسيرها الذي انقطع بفعل التعديات البشرية وهي، أي المنظومات الإيكولوجية، بعناصرها الحيوية المتنوعة كفيلة بذلك. جُلّ ما يمكن فعله من طرفنا هو أن نُعيد عناصرها التي فقدتها بتعدّينا عليها سواء كانت حيوانية أو نباتية وفي بعض الحالات إبعاد الفصائل الغريبة التي دخلت على تلك المنظومات من خارج العملية الطبيعية والتي يصعب التحكم بها في سياق العملية الطبيعية المُستأنفة وعدم التدخل بعد ذلك لنترك لها أن تواصل ما كانت تقوم به منذ ملايين السنين بانسجام كامل وكانت تجد دائماً طريقة تتأقلم فيه مع بعضها بعضاً وتتطور وتستمر كحياة برية في انسجام تام. وبإمكاننا كذلك أن نمنح أنفسنا فرصة لنكون برييّن، إذا جاز التعبير، أن نسعى أن نكون جزءاً من ذلك الانسجام محبين للطبيعة كما هي وليس كما نريدها أو اعتدنا على صورتها «المرتّبة» والمنسقة وكأنها حدائقنا الخاصة أو العامة و «ليس الغاية في ذلك أن نحب أنفسنا أقل بل أن نحب الطبيعة أكثر»، أن ندع لها أن تقرر لا أن نحدد لها وهي كفيلة بنفسها بل وبنا كذلك، خاصة مع تداعيات الاستهلاك المتوحش للموارد الطبيعية والتحديات المصيرية التي يواجهها الإنسان نتيجة لذلك من قبيل الاحتباس الحراري والتغيّر المناخي وهي تحديات باتت تستوجب خطوات وسياسات راديكالية على أكثر من مستوى.
ويوجّه مونبيوت نقداً لاذعاً للحركات والمنظمات البيئية التقليدية التي تمارس عملية حفظ التنوع البيولوجي وكأنها تتعاطى مع معادلات محددة جامدة. فبالنسبة له فإن عملية استرجاع الحياة البرية لا تحمل نقاطاً نهائية، فهي ليست خطة تُدار والحياة البرية ليست حديقة عامة نتدخل فيها لنحدد الشكل وأنواع الأشجار والحيوانات التي ينبغي أن تكون فيها. هي عملياً الحياة الذاتية للطبيعة والتي لا تحتمل تقديراتنا التي نضعها لنحدد لها أهدافاً فيما نحن نغفل عن كثير من خصوصياتها وعلاقات عناصرها المتعددة مع بعضها بعضاً التي قد لا نقدرها تماماً.

هل الاسترجاع ممكن؟
تواجه الحياة البرية في لبنان تحديات جدّية لعل أهمها غياب أي خطة تلحظ حفظ أو استرجاع الحياة البرية في مناطق عدة من لبنان فقدتها وأخرى في طريقها إلى ذلك، فيما تتواصل أعمال التعدّي على المناطق البرية سواء بالمشاريع العامة أو الخاصة. وبالإضافة إلى غياب الخطة، فإن أسس بنائها غير متاحة حيث لا تصنيف كاملاً وحقيقياً للحياة البرية في لبنان ومناطقها باستثناء معلومات تتفاوت مستوياتها لأربع عشرة محمية وعدد آخر من الحمى منتشرة حول لبنان.
وتلتبس لدى العديد المفاهيم، حيث ترتبط في أذهان الناس الحياة البرية بالمساحات الخضراء حصراً، علماً أنه من الممكن كثيراً أن تكون بعض قفار الهرمل أو منحدرات جبل الشيخ (على سبيل المثال لا الحصر) تتمتع بمستويات أغنى في الحياة البرية عن بعض الأحراج بفعل النشاط البشري حيث باتت منتزهات مفتوحة من دون أي معايير أو قيود، بحيث لم يبقَ في بعضها أي أثر للحيوانات على أنواعها. كما أدّى القتل العشوائي لغرض التسلية والصيد لكل أشكال الحياة في البرية (على الرغم من صدور نظام الصيد البري 2004) أو البحر وكذلك الطيور المقيمة والمهاجرة على حدٍ سواء، على الرغم من قرارات حظر الصيد، إلى كارثة بيئية لم يعِ اللبنانيون حجمها بعد لغياب دراسات تقييم الأثر البيئي.
إن العمل لحفظ الحياة البرية في لبنان واسترجاعها ((rewilding في مناطقه يتطلب سياسات تعي مفهوم الحياة البرية وتقف عند تحدياتها في كل تفصيل أولاً، وتضعها أولوية على مختلف المستويات والمشاريع. وكذلك قرارات جذرية وهو ما يتطلب بنية بحثية وهيئة تخطيط بيئي وآلية تنفيذ مرنة للقرارات والخطط. وباعتبار وزارة البيئة هي الهيئة التي تعنى بالبيئة في لبنان بموجب القانون 217/1993 ولاحقاً قانون 690/2005. فإن أي خطة جدية تتطلب البدء بتطوير بنية الوزارة على المستوى الفني والإداري والتنفيذي فضلاً عن الصلاحيات للوصول إلى حوكمة بيئية.

هشام يونس 
ناشط وأكاديمي
1/3 نشرت في جريدة السفير
24/03/2015