Showing posts with label البرية اللبنانية. Show all posts
Showing posts with label البرية اللبنانية. Show all posts

Tuesday, 20 February 2018

مقالة: كيف نعيد البومة البيضاء حارسة خيرات الحقول؟ | Article: How Can We Bring Back the Barn Owl, Guardian of Our Fields?


 


في سبيل بناء علاقة سلمية مع محيطنا البيئي الطبيعي لا بد لنا من تصويب الكثير من المفاهيم الشائعة والخاطئة عن هذا المحيط الذي نحن جزء منه. من هذه المفاهيم الخاطئة تصور «الحياة البرية» باعتبارها حيزاً منفصلاً عنا، يمكن أن يكون مساحة حرجية أو جرداء تعيش عليها بعض الحيوانات والطيور، جميعها مجهولٌ لدينا.

حيث لا علاقة تربطنا به والاتصال الوحيد لنا معه هو في حالتين: حينما نخرج إلى «البرية» أو حين تأتي حيواناتها إلى محيط قرانا وبلداتنا وحينها تعتبر غازية وخطرة مباحٌ قتلها. لكن في واقع الأمر نحن من «غزونا» البرية وموطن هذه الحيوانات والطيور ودمرنا ملاذاتها بالزحف الإسمنتي وشبكة الطرق العشوائية وحاصرناها في جزر من بقايا المساحات الخضراء والحرجية. إلا أن هذا لا يغير من حقيقة أننا، أينما كنا، نشكل جزءاً من هذا المحيط الحيوي الذي تشكله النظم البيئية على اختلاف أنواعها، نؤثر ونتأثر بها بشكل مباشر. بإمكاننا أخذ أكثر من نموذج، ربما معظم الحيوانات البرية، للنظر في هذا الفهم الخاطئ للعلاقة مع محيطنا الطبيعي... في طليعتها بوم الحظائر


أدرج كتاب حالة الطيور في لبنان State of Lebanon’s Birds & IBAs الذي أعده أسعد سرحال وباسمة الخطيب ونشر في ٢٠١٤ ضمن مشروع "تعميم إدماج المحافظة على الطيور المحلقة المهاجرة في القطاعات الإنتاجية الرئيسية على طول مسار الوادي المتصدع / البحر الأحمر" الذي نفذته وزارة البيئة في لبنان، ستة أنواع من البوم توجد في لبنان منها أربعة مقيمة وهي بوم المخازن Barn Owl(Tyto alba) وبومة النسر الأوراسية Eurasian Eagle Owl (Bubo bubo) والبومة السمراء Tawny Owl (Strix aluco) والبومة الصغيرة Little Owl (Athene noctua) ونوعان مهاجران: البومة الطويلة الأذن Long-eared Owl (Asio otus) مهاجرة شتوية وبومة الأشجار الأوروبية Eurasian Scops Owl (Otus scops) بالإضافة إلى نوع سابع متنقل غير مؤكد وهو بومة السمك البنية Brown fish owl (Ketupa zeylonensis).

ناظمة القوارض

تعتبر بومة الحظائر أو المخازن البيضاء أحد أنشط ناظم للقوارض. فهي تنشط في أكثر من منطقة لبنانية وتفضل المناطق المفتوحة مثل الحقول والمراعي، مما يسهل عليها رصد ومباغتة طرائدها كما تنشط في بعض الأماكن الحضرية. وهي تعتبر أفضل ناظم للقوارض التي تشكل التحدي الرئيسي للأراضي الزراعية والأرياف ولصحة الأماكن الحضرية. إذ تأتي القوارض بمختلف أنواعها على رأس قائمة طرائدها وحيث تندر تلك، تصيدُ البوم السحالي والبرمائيات وبعض أنواع الحشرات. وقد أظهرت دراسات عدة تناولت النظام الغذائي لبوم المخازن من بينها دراسة أعدتها Mammals Society البريطانية أن طائر البوم البالغ يتناول بين ٣-٤ من الفئران يومياً (٤٥٪ فأر الحقل و١٥٪ فأر الخشب و٢٠٪ قارض الزبابة Sorex) وهو ما يعادل ألفي فأر وقارض في العام للطائر الواحد، ما يجعل بوم الحظائر تتصدر، إلى الكواسر والأفاعي والثعلب الأحمر والنمس من الحيوانات والطيور البرية، قائمة مفترسات الفئران والقوارض.

في صدارة قائمة المفترسات

وما أسهم في تصدر البوم قائمة المُفترسات هو نشاطها الليلي وتمتعها بحاسة سمع قوية ورؤية ليلية تمكنها من رصد الفئران وتعقبها بخفوت مذهل يقارب الصمت تمتاز به عن سائر الطيور وباقي المُفترسات.
ليس هذا فحسب، بل إن بوم الحظائر، شأن الثعالب الحمراء، أظهرت قدرة كبيرة على التكيف وخاصة في المناطق الحضرية ومحيطها مما يجعلها حيوية وضرورية للحد من تزايد القوارض في تلك المناطق وهو أمر مهم للغاية لمواجهة تحدي التزايد المطرد للقوارض في التجمعات الحضرية والتي تعد من أقدم وأخطر التحديات التي تواجهها، وآثار ذلك على الصحة العامة تكفي الإشارة إلى أن أسوأ حالات انتشار الأوبئة والتي أودت بأرواح الملايين حملتها القوارض. وتتضاعف أهمية البوم والمفترسات الحضرية الأخرى مع تحذير دراسات عدة من مخاطر الاعتماد على القطط الأليفة لهذه المهمة خشية نقل القطط للأوبئة التي تحملها القوارض من الفئران والجرذان إلى أفراد المنزل.

«المكافح البيولوجي»

بين عامي ٢٠١٠-٢٠١١ شهد لبنان والبقاع الغربي ما اعتبر انفجاراً وبائياً لفأر الحقل Microtus socialis حيث تضاعفت أعداده بشكل كبير وقد عزي الأمر في حينه إلى موجة جفاف سادت إبان تلك الآونة، وقد قضى ذلك على موسم القمح والشعير وخلّف أضراراً جسيمة في الحقول الزراعية وخسائر كبيرة على المزارعين. وسادت خشية في حينه من انتشار الأوبئة بين قطعان الغنم والماعز وانتقالها إلى الناس ووزعت الطعوم لهذه الغاية.
إلا أن هذه الظاهرة ليست جديدة ومعزولة في لبنان وبلاد الشام، فلقد سجلت قبلها كما أعقبها العديد من حالات مشابهة. ويشكل تزايد أعداد فأر الحقل تحدياً دائماً للمزارعين في سوريا كما في لبنان وفلسطين، وقد قضى العام الماضي (2016) على موسم القمح في حقول حماه.
وقد أسهمت التغيرات المناخية الناشئة عن الاحتباس الحراري في توفير المناخ المناسب لتكاثر هذه القوارض فضلاً عن أن مناطق من لبنان وسوريا وفلسطين تعتبر مواطناً لفأر الحقل (ويندرج ضمنه ٦- ٧ أنواع فرعية) وهذا ما أورده العالم الألماني بيتر سيمون بالاس الذي وثق النوع في عام 1773 وأعطاه اسمه العلمي المستخدم اليوم. وهو الأمر الذي أكده علماء بيولوجيون خلفوا بالاس وسجلوا وجود ونشاط فأر الحقل في لبنان (البقاع) وسوريا وفلسطين (الشمال والضفة الغربية وغور الأردن).

مخاطر المركبات الكيميائية

ولقد ثبت أن استخدام المركبات الكيماوية السامة من قبيل فوسفيد الزنك وتتان وفوستكسين للقضاء على القوارض تحمل مخاطر وتداعيات بيئية خطيرة على باقي الحيوانات بما فيها أنواع القوارض الحيوية والطيور وتلك المفترسة للفئران بشكل خاص، حيث تقضي نتيجة للسموم أو بتناول الفأر المسمم، فضلاً عن أثارها على المواشي. وفيما تتكاثر الفئران على مدار العام وبأعداد كبيرة تسمح لها بالتعويض في تناقص أعدادها بفعل التسمم لا ينطبق الأمر على مُفترسات الفأر الأقل عدداً ونسبة في التوالد مما يُقيل عنصراً حيوياً في الحد من تكاثرها ويزيد من أعدادها.
وهو ما يقودنا إلى خلاصة توصلت إليها مراكز الأبحاث الزراعية المختلفة حول أهمية مواجهة هذه المعضلة بالوسائل البيولوجية والتي لا تحمل أيّ مخاطر على البيئة والصحة العامة بعكس المبيدات والسموم الكيماوية. وتأتي في مقدمة هذه المبيدات البيولوجية البومة البيضاء.
وقد عمدت أكثر من دولة ومنظمة مختصة إلى إطلاق برامج للمساعدة على رفع أعداد هذه الطيور بشكل رئيسي وكذلك صقر العوسق أو صقر الجراد أو الشبوط (كما الحال في فلسطين) وحماية باقي المُفترسات الحضرية مثل الثعلب الأحمر (بريطانيا) نظراً لأهمية الدور الذي تلعبه هذه الطيور كمبيد بيولوجي لسلامة وصحة المزارع والحقول وكذلك الأماكن الحضرية وهذا ما يفسر تسميتها بصديقة الفلاح وحارس الحقل.

تاريخ وتحديات

تواجه طيور البوم، وبشكل رئيسي بومة الحظائر البيضاء مخاطر عديدة. هذه البومة ذات الوجه الأبيض الساحر الذي يشبه القلب بألوان ريشها المميز، ناشطة في الأرياف كما في محيط المدن. سبق أن اتخذتها مملكة صور الفينيقية رمزاً ملكياً لها وسكتها على عملتها (الصورة لعملة من مدينة صور تعود لـ٤٠٠-٣٦٠ ق.م ويظهر عليها طائر البوم الذي اتخذته المملكة الفينيقية شعاراً ملكياً لها). بين التحديات التي تواجهها هذه البومة الساحرة، الموروثات الشعبية التي تقدمها على أنها نذير شؤم، فيما يظهر دورها الحيوي أنها عكس ذلك تماماً. كما تتعرض للقتل العبثي والجائر والإتجار غير المشروع. وبدل أن نسعى إلى حمايتها والعمل على زيادة أعدادها، تتراجع أعدادها بشكل متسارع مما يقوّض دورها الحيوي وهو ما سيكون له تداعيات خطيرة على المدى البعيد على صحة وسلامة الحقول والبراري والأرياف وحتى على مدننا وبلداتنا إذا لم نسارع إلى حمايتها وزيادة أعدادها ببرامج ترعاها وزارتا الزراعة والبيئة لتشكل بدائل بيولوجية مستدامة تدرب الفلاحين على كيفية تشجيع زيادة أعداد هذه الطيور والتعامل معها وتوزيع أعشاش صناديق خشبية لتشجيعها على الاستقرار والتكاثر والتشدد في ملاحقة المعتدين عليها. خلاف ذلك، ستتزايد أعداد القوارض ومعها الأوبئة وبالتالي تتراجع إنتاجيه الحقول ومعها مستويات دخل ومعيشة المزارعين وهو ما يضعف فرص ومجالات تنمية الأرياف والمجتمعات المحلية.

جريدة الأخبار، 11 يناير/ كانون ثاني 2018

https://shorturl.at/iLCfu

Tuesday, 15 August 2017

رأي، إستصراح: "الجنوبيون الخضر" يحسمون الجدل، غزلان قطمون فصيلة غير محلية | Opinion / Commentary: "Green South Association" Settles the Debate, Qatmoun Gazelles Are a Non-Native Species

كانت الغزلان تتواجد في لبنان حتى أواخر سبعينيات القرن الماضي، وهذا ما يؤكده مسنون في هذه المنطقة شاهدوا وعاينوا بعضا منها قبل هذه الفترة، خصوصا في منطقة جبل الشيخ، ومناطق عدة من لبنان، واعتبرت الغزلان اللبنانية منذ تلك الفترة منقرضة، في ما عدا أعداد صغيرة ما تزال تجد ملاذا آمنا في المناطق النائية على الحدود بين لبنان وسوريا.

 إلا أن ظهور ومشاهدة بعض الشبان من بلدة رميش الجنوبية في منطقة قطمون لغزالين اثنين أثار اهتمام المعنيين بالحياة البرية، ممن لم يتوانوا عن التوجه إلى المنطقة لمعرفة نوع هذين الغزالين، وما إذا كانا ينتميان لفصيلة الغزال اللبناني المعروف بـ "غزال الجبل" واسمه العلمي Gazella Gazella ، وكان – وفقا لمراجع علمية – منتشرا في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق.


يونس: معرض لخطر الإنقراض

وفي هذا المجال، قال رئيس "جمعية الجنوبيون الخضر" الدكتور هشام يونس لـ ghadinews.net: "منذ أبلغنا من قبل أصدقاء وناشطين من البلدة بوجود غزلان في منطقة قطمون، سعينا إلى التحقق من الموضوع، وقد تأكد ذلك الأمر من خلال فيديو حديث لأحد أبناء البلدة، يوثق تواجد الغزلان في المحلة، وبناء على ذلك تواصلنا مع رئيس البلدية الأستاذ مارون شبلي الذي أبدى اهتماماً وحرصاً على حماية الموقع، خصوصا وأنه يضم آثاراً تعود لكنيسة مار سمعان الأثرية".

وأضاف: "تواصلنا كذلك مع وزارة البيئة للغاية ذاتها، ولدراسة سبل حماية الموقع والغزلان بعد إجراء الدراسات اللازمة بغية التأكد من هذا النوع، وما إذا كان من فصيلة غزال الجبل، خصوصا أن هذه المنطقة وجبل عامل كانتا تشكلان موطناً  لهذا النوع الذي لا زالت أعداد منه تتواجد في فلسطين والجولان، وهو ما كان سيشكل فرصة لإعادة هذه الفصيلة إلى البرية اللبنانية بعد إنقراضها منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث بقي الناس يتناقلون المشاهدات قبل أن يختفي هذا الغزال من الجنوب، وهو مصنف اليوم ضمن القائمة الحمراء لـ IUCN  ومعرض لخطر الإنقراض". 


 ظباء قطمون

نوع دخيل

وأشار يونس إلى أنه "مع تشديدنا على حمايتها أكدنا على ضرورة إستيفاء الموضوع الدراسات اللازمة  للتحقق من أمور عدة، النوع من جهة، لا سيما بعد أن لاحظنا أن بعض الخصائص لا تلتقي وتلك التي تميز غزال الجبل بنية وحجماً وغير ذلك، وهو ما يتطلب بحثا مستفيضا والتحقق من وجود اكثر من نوع يجوب المنطقة ورأي أهل الإختصاص، وثانياً، تأثبر ذلك على النظام البيئي وعناصره الأخرى".

وعند سؤالنا عن إمكانية العمل على إكثارها، قال يونس: "بعد إجراءنا المزيد من البحث حول الأمر، خلصنا إلى أن هذه الفصيلة غير محلية وهي تنتمي إلى نوع من أنواع الظباء الأفريقية وتدعى الإيلند common eland ، واسمها العلمي Taurotragus oryx، وقد أدخلت إلى فلسطين منذ عقود ونشرت في بعض حدائق الحيوانات، ثم في مواقع أخرى منها في الشمال على الحدود مع لبنان".

وأضاف: "حيث أن الأمر كذلك، فنحن وإن كنا نؤكد على حمايتها، لسنا مع إكثارها لاننا نعتبرها نوعا دخيلا، علماً أنها أظهرت قدرة على التكيف، وهو أمر يحتاج، على ما سبقت الإشارة لدراسة أعمق حول تأثير تواجدها أو تكاثرها على النظام البيئي. ونفضل أن يكون السعي إلى إعادة توطين الغزال الجبلي المحلي الخاص بمنطقتنا وبيتنا".

"غدي نيوز" – سوزان أبو سعيد ضو
11 آب/ أغسطس 2017

Wednesday, 12 July 2017

مقابلة/ أستصراح: هل يعاد توطين غزال الجبل في جنوب لبنان | Interview / Commentary: Prospects for Reintroducing the Mountain Gazelle in Southern Lebanon

يروي أحد المعمرين من أبناء بنت جبيل، أنه عايش الغزال في مناطق عدة من الجنوب، ما أثار فينا الفضول لاستكشاف حقيقة هذا الأمر، وهل فعلا كان هذا الحيوان الرائع يعيش بيننا؟ ويتنقل وسط الأحراج والجبال والوهاد؟ وما الذي أدى إلى انقراضه؟ وهل يمكن إعادته إلى بيئته الطبيعية وحمايته من الصيد الجائر؟ وهل أننا قادرون على تأمين عودة النظام الايكولوجي بين سائر الكائنات التي كانت موجودة قبل خمسين سنة؟ توالت الأسئلة، لكن دون إجابات شافية، والتبس الأمر على كثيرين، بين الغزال اللبناني وآخر مدجن كان موجودا في بلدتي الحنية والعزية في مزارع آل سلام، وما زاد الالتباس أن البعض تحدث عن أنواع من الغزلان لا تنتمي إلى بيئة لبنان.




 الجنوبيون الخضر وغزال الجبل 

مؤسس جمعية “الجنوبيون الخضر” الدكتور هشام يونس أشار إلى أن غزال الجبل (الاسم العلمي Gazella gazella) بقي يجول في بعض الربوع اللبنانية والجنوبية بشكل رئيسي، حتى فترة متأخرة من القرن الماضي”، وقال: “هذا ما تؤكده الروايات والمشاهدات المتناقلة والدراسات المنشورة حول خارطة انتشار هذه الفصيلة من الغزلان ونظامها الغذائي وبيئتها التي توفرها الطبيعة اللبنانية، وتشير المشاهدات والروايات الى وجود الغزلان في أكثر من منطقة في ستينيات القرن الماضي وحتى السبعينات، وبشكل أساسي منحدرات حرمون ووادي التيم والسلوقي امتداداً إلى الحجير، وفي احراج عين إبل وعيتا الشعب، وامتدادا نحو مناطق شمع وبيت ليف وزبقين والحنية، وكذلك في بعض مناطق من النبطية في أنصار، حيث سميت منطقة تلة الغزلان نسبة لتواجد الغزلان فيها، وغيرها من المناطق اللبنانية سواء في البقاع الغربي أو لبنانية أخرى.  وقد نقل لنا مؤخرا مشاهدات الغزال في مناطق متاخمة للحدود مع فلسطين، وقد تكون هذه غزلان سارحة من محميات شمال فلسطين”. 

الأولوية لحفظ الفصائل المهددة

 وعن دور الجمعية لجهة إمكانية استعادة الغزال الجبلي، قال الدكتور يونس: “تشكل فكرة حفظ واستعادة الحياة البرية اللبنانية أحد المبادئ الاساسية لجمعية (الجنوبيون الخضر)، الا ان موضوع الاستعادة والذي قد يتضمن في مراحل لاحقة إعادة توطين بعض الفصائل التي انقرضت عن البرية اللبنانية، يتطلب الكثير من الدراسة والتحضيرات التي تسبق هكذا خطوة، ومن بين ذلك تحديد الفصائل ذات الاولوية بالنظر الى عناصر المحيط الإحيائي المتوافرة حالياً، وتاليا الانعكاسات المتوقعة والاهداف المرجوة، وهو ما يتطلب دراسة مستفيضة لتاريخ تلك الفصائل في البرية اللبنانبة، وأماكن تواجدها السابق وإجراء مقارنات لعناصر النظم الإيكولوجية التي كانت جزءاً منها في الماضي، والعناصر الموجودة الآن، ومن ثم تحديد الأماكن الأكثر ملائمة”.

إختبار درجة التأقلم

 ورداً على سؤال حول حفظ الأنواع الموجودة واستعادة المنقرضة، قال: “للاسباب السالفة نحن نعطي الاولوية لحفظ الفصائل المهددة بالانقراض سواء كانت السلاحف البحربة او اللواحم و
التي تلعب دورا أساسيا في الحياة البرية اللبنانية، بشكل رئيسي الضباع المخططة وبنات آوى والثعالب الحمراء والذئاب وغيرها، وحفظ هذه الفصائل أساسي قبل التفكير بإعادة توطين ما فقد، بل لنجاح عملية التوطين لأجل طويل لا بد من حفظ هذه الفصائل الموجودة حالياً والمهددة بالانقراض. على سبيل المثال جرت اعادة توطين الذئاب في مناطق عدة في أوروبا والولايات المتحدة للحفاظ على توازن وبالتحديد لضمان توازن تكاثر الغزلان وأصناف اخرى من الثدييات العاشبة”. وقال: “فكرة اعادة توطين الغزال الجبلي موجودة، ولكنها تتطلب على ما سبقت الإشارة اليه دراسات اوسع، وفي الحقيقة كان لدينا فكرة تقارب الموضوع من جانب بحثي وتوعوي من قبيل إيجاد محمية للغزلان في احد المواقع التي كانت تتواجد بها لوقت ليس بعيد، لاختبار درجة التأقلم، فضلاً عن اشاعة الوعي البيئي حول الحياة البرية، والاضاءة على أهمية تطوير رؤيتنا للسياحة البيئية كعامل هام في التنمية المحلية والريفية، وهي مرحلة لازمة لدراسة ومراقبة سلوك وتأقلم الغزلان قبل البتّ بإطلاقها الى البرية”. مشيراً الى ان “عملية اعادة توطين فصائل معينة ليست بالأمر اليسير كما قد يعتقد”، محذراً من ان “فقدان فصائل إضافية يزيد من تعقيد المسألة وصعوبتها”، داعياً “السلطات الرسمية والبلدية لاتخاذ إجراءات جدية وعاجلة لوقف عمليات قتل الحيوانات البرية، وبالأخص الضباع المخططة والذئاب وبنات آوى والثعالب قبل فوات الاوان”. 

محمية زبقين… واستعادة التوازن 

وعن إمكانية أن تكون محمية وادي زبقين ملاذا آمنا للغزال الجبلي، قال الدكتور يونس: “بالنسبة لمحمية وادي زبقين التي نعمل عليها مع المجالس البلدية، كما لمواقع أخرى قد نعلن عنها في الوقت المناسب، فإن المرحلة الاولى ستكون توفير كل ما يلزم لإعطاء هذه البقعة البرية النموذجية عناصر استعادة كامل توازنها بذاتها من دون اي تدخل، فقط حماية ومراقبة ودراسة والعمل على ربطها بمواقع برية اخرى، بحيث نوفر التواصل ما بين المواقع المحمية، وهو ما يسهل عملية استعادة البرية لتوازنها وعناصرها في مرحلة لاحقة، وندرس أهمية وإمكانية وانعكاسات اعادة توطين بعض الفصائل وبناء عليه نحدد الخطوة التالية الاولوية لدينا بخصوص المحميات إعطاء البرية أولاً الفرصة لاستعادة توازنها بذاتها، والتقليل من التدخل البشري الى أدنى حد ممكن، لحدود شؤون الحماية والرعاية في ظروف وشروط محددة”.

فاديا جمعة- غرين إريا
 22إبريل / نيسان 2016

Read more at GreenArea.me: هل يعاد توطين الغزال الجبلي في جنوب لبنان http://greenarea.me/?p=130235

Thursday, 4 May 2017

مقابلة تتناول دور السلاحف البحرية البيئي والتحديات التي تواجهها | Interview & Commentary: The Vital Role of Sea Turtles in Lebanon’s Coastal Ecosystem





 مع مؤسس “الجنوبيون الخضر” الناشط البيئي والأكاديمي الدكتور هشام يونس نبتعد في رحلة البحث عن الحياة البحرية، ونغوص عميقا في بحر العلم والمعرفة لنقف على عالم ما يزال يكتنفه الغموض، ألا وهو عالم السلاحف البحرية، تلك الكائنات التي يمكن اعتبارها حارسة البحر المتوسط وأيقونة الشواطئ اللبنانية، لما تمثل من حلقة مهمة في التوازن البيئي، فضلا عن أهميتها في النظم الايكولوجية البحرية، ما يفترض تكثيف الجهود لحمايتها وحماية موائلها. التقيناه، وكان حوارا تناول الكثير من هذا العالم الساحر، فأثرى معارفنا، لنتأكد أن السلاحف البحرية عالم مليء بالأسرار، ودورها أكبر من أن يختصر في وظيفة محددة، ما يضاعف أهميتها، ويضاعف تاليا مسؤوليتنا كدولة ومجتمع أهلي ومواطنين، لنحافظ عليها من ضمن حماية التنوع البيولوجي في بحر لبنان وعلى امتداد ساحل المتوسط.  وفي ما يلي نص الحوار: 
  greenarea: بداية، ماذا عن السلاحف البحرية في لبنان؟  
 د. هشام يونس: يعود نشاط السلاحف البحرية وتواجدها على الساحل اللبناني إلى آلاف السنين على أقل تقدير، علماً أن السلاحف تعدّ واحدة من أقدم كائنات الأرض التي تعود إلى أكثر من مئة مليون سنة. فيما يعود تشكّل الساحل الشرقي المتوسطي إلى العصر الجيولوجي الرابع (أحدث تلك الحقبات)، وبالتالي يمكن اعتبار السلاحف البحرية في لبنان واحدة من الحيوانات البحرية الحيوية الهامة والنشطة في تاريخ إيكولوجيا المياه والسواحل اللبنانية. وهو ما يجعل أهميتها مضاعفة، سواء في دورها البيولوجي ضمن المنظومات الإحيائية البحرية المتوسطية وسلسلتها الغذائية أو في كونها تشكل ذاكرة بيولوجية للتعرف على التطور البيولوجي للموائل البحرية على السواحل اللبنانية. وقد بيّنت خارطة أصدرتها وزارة البيئة عدد المواقع التي تنشط فيها السلاحف البحرية في فترة التعشيش، من أيار (مايو) ولغاية تشرين الأول (أكتوبر) من كل عام، وتلك التي تُعدّ موائل لها على طول الساحل اللبناني والتي تتركز بشكل رئيس في الجنوب، فضلاً عن مواقع أخرى في الوسط والشمال وبالتحديد على الشواطئ التي لم تشهد تدخلات بشرية واسعة. ويعود ذلك إلى حساسية السلاحف تجاه التلوث المتعدّد الذي تسببه تدخلات كهذه بما فيها التلوث الضوئي والصوتي الذي يحدثه نشاط المنتجعات السياحية التي انتشرت على السواحل اللبنانية من دون أي رؤية توجيهية أو ضوابط تلحظ الخصوصيات البيئية والتراثية للساحل اللبناني، والتي تستغلّ الشواطئ بشكل غير قانوني وما يصاحب ذلك من أعمال ردمٍ لبناء أحواض أو إقامة منشآت أخرى داخل البحر، ما يخلف ضرراً جسيماً للموائل وللمحيط البيولوجي بكامله. فضلاً عن نشاط المراكب السياحية والزلاجات المائية وما تخلفه في المياه من ملوثات كيميائية وتعريضها السلاحف، التي تطفو على سطح الماء لتنشق الهواء، للخطر. وتستوجب هذه الحيوية، في المرحلة المقبلة، دراسة أوسع لنشاط هذه الكائنات الجميلة والحيوية والمهددة بخطر الانقراض وهو ما من شأنه أن يوفر لنا رؤية أشمل وأعمق لطبيعة الساحل اللبناني ولخصوصياته وتنوعه البيولوجي. وفهم دور السلاحف ضمن السلسلة الغذائية للموائل وبالتالي أهميتها وسبل الحفاظ عليها. وتشكيل أرضية معرفية بيولوجية تؤسس لفهم أعمق لسبل التنمية المستدامة للشاطئ ومحيطة وللحرف المعتمدة عليه وبشكل خاص الصيد البحري والتي يفيد منها آلاف العوائل اللبنانية.


greenarea: نود أن يكون القارىء على بينة من الأهمية البيولوجية للسلاحف ليكون شريكا في حمايتها؟  
 د. هشام يونس: ثمة الكثير من الدراسات حول السلاحف البحرية وأهميتها البيولوجية، خصوصا في السنوات الأخيرة وذلك لأسباب عدة. فعلى الرغم من أن السلاحف تعد إحدى أقدم كائنات الكوكب وتلعب دوراً حيوياً في البحار والمحيطات وكذلك الشواطئ، فإن العديد من جوانب حياتها وأدائها البيولوجي لا زال غير مستوفٍ المعطيات والبحث ويشكل ثغرة في المعرفة البيولوجية البحرية بحيث أن إحدى فصائلها السبع المتبقية إلى اليوم هي المسطحة الدرقة أو الدرع (القوقعة) Flat back التي صنفها الاتحاد العالمي لحماية الطبيعة (IUCN) فصيلة “غير مستوفية البيانات”، فيما يعتبر موضوع التمايز الجيني ضمن الفصيلة الواحدة بالنظر إلى محيطها الإيكولوجي (السلاحف ذات الرأس الضخم والخضراء في بيئة المتوسط المعزولة نسبياً مقارنة بتلك على السواحل الأطلسية المفتوحة) موضع بحث مستمر. وقد تطلّع البيولوجيون الى اتجاه السلاحف لترابط نشاطها مع تفاعليات إحيائية عديدة أخرى كتجديد السهوب البحرية، ونشاط أسماك القرش، وتزايد أعداد قناديل البحر، ونشاط طيور البحر والتنوع الإيكولوجي الشاطئي بشكل عام. كما كان للتغيير المناخي وتحدياته وتداعياته المتفاقمة والتي شملت مختلف أشكال الحياة أن دفعت باتجاه دراسة الكائنات التي عاشت حقبات تغيّر جذري للمناخ خلال حقبات جيولوجية متعددة دامت عشرات ملايين السنين ونجحت في التأقلم معه فيما انقرضت آلاف الفصائل الحيوانية، فضلاً عن تأثير هذا التغيير على نشاط السلاحف وسلوكها، وبالتالي انعكاس ذلك على الموائل التي تُعدّ السلاحف فيها فصائل رئيسية أو عليا في سلم سلسلتها الغذائية.  
 greenarea: ما أهمية دور السلاحف في البحار والمحيطات؟ 
  د. هشام يونس: يتنوّع دور السلاحف البحرية بتعدّد فصائلها واختلاف نظامها الغذائي. سواء كانت لاحمة، السلاحف ذات الرأس الضخم (بشكل رئيسي)، الجلدية الظهر، منقار الصقر، أو عاشبة (السلاحف الخضراء)، أو من كلتيهما omnivore ( فصيلتي ريدلي) تقتات على اللحوم والنبات. وقد تكيّف فك السلاحف وتمايز وفق نظامها الغذائي ليؤدي وظيفته في الوصول إلى الطرائد والتعامل معها. وهي تلعب دوراً حيوياً في تأمين توازن وصحة البحار والمحيطات، وبشكل رئيسي في مناطق الحيود المرجانية والموائل الساحلية حيث تنشط وتشكل في العديد منها موقع العقد في سلسلتها الغذائية. 
  greenarea: ما هي أنواع السلاحف البحرية في لبنان خصوصا والحوض المتوسطي بشكل عام؟ 
  د. هشام يونس: تتواجد في الحوض المتوسطي وعلى السواحل اللبنانية ثلاثة أصناف من السلاحف البحرية منها صنفان يتواجدان في الموائل الساحلية ويضعان بيوضهما على الشواطئ الرملية في موسم التعشيش: السلاحف ذات الرأس الضخم والسلاحف الخضراء، فيما تجول المياه اللبنانية والحوض المتوسطي السلحفاة الجلدية الظهر (أضخم أصناف السلاحف البحرية) من دون أن تسجل حالات تعشيش لها على كامل الحوض فضلاً عن الشواطئ اللبنانية، ويعيد بعض العلماء ذلك إلى كونها حديثة نسبياً في المتوسط حيث يعتقد أن ذلك بدأ بعد العصر الجليدي الأخير مع هجرة عدد قليل من الإناث من المحيط الأطلسي. ويصنف الاتحاد العالمي IUCN الأصناف الثلاثة ضمن فئة الأصناف “المهدّدة بالانقراض”. وتلعب أصناف السلاحف البحرية الثلاثة المتمايزة بنظامها الغذائي دوراً هاماً في الحفاظ على صحة وتوازن وتنوّع الموائل البحرية في المتوسط وعلى السواحل اللبنانية، حيث تؤدي السلاحف الخضراء ومن خلال تناولها أطراف الأعشاب البحرية دوراً حاسماً في تحسين صحة منابتها مما يؤدي إلى تنشيط وإحياء الموائل التي تعتاش عليها وفي محيطها، وبالأخص تلك الصغرى الدقيقة من العوالق والقشريات واللافقريات والتي تعد غذاءً رئيساً في أسفل السلسلة الغذائية وهو ما يجعل دورها حاسماً في تنشيط وحفظ تلك الموائل. 
  greenarea: نعلم أن للسلاحف دورا هاما وكبيرا على مستوى المحيط الايكولوجي الذي تعيش فيه، هل تعطينا لمحة موجزة عن هذا الدور وأهميته؟ 
  د. هشام يونس: تعتمد السلاحف ذات الرأس الضخم، وهي الأكثر تواجداً في الحوض المتوسطي، وعلى السواحل اللبنانية، على فكيها القويين لسحق غذائها من المحار والقشريات وسرطانات وقنافد البحر والإسفنج فضلاً عن قناديل البحر وغيرها. وهو ما يوفر المغذّيات للمحيط الايكولوجي لقاع البحر ويوزعها ويعيد تدويرها. كما أن السلاحف وأثناء عملية بحثها في القاع تعمل على تدوير وتنشيط تلك المواقع التي تشكل موائل للعوالق واللافقاريات التي تتغذّى من بقايا ما تخلّفه السلاحف مما ينشط ويعيد تجديد كامل المحيط الإيكولوجي. كما تسهم السلاحف ذات الرأس الضخم والجلدية الظهر (أضخم أنواع السلاحف البحرية) التي تعتمد على قناديل البحر في نظامها الغذائي (يصل استهلاك السلحفاة البالغة إلى ما يعادل 200 كيلو يومياً) في الحفاظ على معدلات متوازنة منها خاصة أن تزايد قناديل البحر يعني بالضرورة تناقص أعداد الأسماك بشكل عام حيث إن القناديل تعتمد على بيوض ويرقات الأسماك في غذائها وبالتالي فإن تزايد أعدادها يعني القضاء على أعداد أكبر من الأسماك وهو ما يؤدي إلى إخلال بالسلسلة الغذائية ويلحق، بالتالي، ضرراً بالتنوع والتوازن البيولوجي للمنظومات الأحيائية. وبالإضافة إلى دورها في البحر، تلعب السلاحف دوراً حيوياً على الشواطئ أثناء موسم التعشيش الذي يستمرّ ستة أشهر، فالبيوض التي تخلفها السلاحف بمعدلات عالية (بين 100- 120 بيضة للعش) تشكل مادة غذائية غنية للشواطئ وغطائها النباتي والطيور والحيوانات سواء فقست أو فسُدت (القشرة وبقايا السوائل). كما تشكل صغار السلاحف، غذاءً للثعالب الحمراء والطيور البحرية والسرطانات وغيرها. فضلاً عن أن حركة السلاحف بين الشاطئ والبحر تؤدي دوراً في نقل المغذيات المتمايزة بالاتجاهين. فالشواطئ التي ترتادها السلاحف هي أكثر غنى وأكثر تنوّعاً ونشاطاً من باقي الشواطئ. وتشكل السلاحف البحرية، وكذلك الأسماك اللاحمة الأخرى مثل القرش وفقمة الراهب وغيرها، عنصراً أساسياً وحيوياً في تكوين المحيط الإحيائي المتوسطي واللبناني وفي الحفاظ على صحته وتوازنه. ومن دون تلك الحيوانات الحيوية للغاية فإن التنوع البيولوجي وتوازنه يصبح عرضة للاختلال والفقر. من هنا فإن الحفاظ على هذه الحيوانات يشكل ضرورة إحيائية قصوى للحفاظ على صحة وتنوّع وغنى السواحل اللبنانية بيولوجياً. وهذا يفيد، ما تقدم، مصائد الأسماك والصيد البحري الرشيد لأنواع الأسماك الأخرى التي تتنوّع وتتكاثر في ظل وجود هذه الأصناف الأساسية في السلسلة الغذائية للسواحل المتوسطية بما فيها السواحل اللبنانية.


greenarea: ما هي الخطط المفترض اتخاذها للحفاظ على السلاحف البحرية؟   د. هشام يونس: إن أي خطط تنمية مستدامة جدية لا بد أن تلحظ هذه الحقيقة وتعمل على الحفاظ على هذه الحيوانات وتوفير كل ما يلزم من شروط الحفاظ عليها وتكاثرها لما في ذلك من ضرورة إحيائية ومعرفية وأخلاقية بالدرجة الأولى لكائنات وجدت في هذه المنطقة قبل ملايين السنين من وجود البشر ونجحت في البقاء على الرغم من التبدلات المناخية والجيولوجية الجذرية ولكنها اليوم تواجه الانقراض بسبب تدخلات وتعديات البشر. ولعل أهم الخطوات التي يجب اتخاذها لحفظ هذه الكائنات الحيوية والساحرة يكون بـ: -تطبيق تشريعات حفظ الحيوانات البرية والبحرية، وتحديد مناطق حماية لها. -وقف التعديات وأعمال البناء على الأملاك البحرية العامة أو بالتحايل بالبناء على عقارات ساحلية جرى تعديل تصنيفها العقاري من زراعي إلى سياحي أو تجاري لكي تفيد من الواجهة الشاطئية لبناء مشاريع تجارية “سياحية” من غير معرفة المسوغات القانونية لإجراء كهذا. والتي لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات البيئية والتراثية للعقار خاصة في مناطق مصنفة تراثية وحضارية هامة. -حظر ومعاقبة استخدام الديناميت والسموم في الصيد وتحديد أنواع شباك الصيد وأماكن استخدامها وعدم رمي بقايا شباك الصيد وخيطان وسنارات (خطاف) الصيد في الماء. -عدم إلقاء أيّ شكل من أشكال النفايات في البحر وحظر إقامة مكبّات قريبة من الشاطئ كذلك منع تحويل المياه المبتذلة ومخلفات المصانع من المواد الكيميائية وبقايا الزيوت إلى البحر. -العمل على تنظيم دورات توعية لصيادي الأسماك حول أهمية هذه الحيوانات وكيفية الحفاظ عليها والتعامل معها في حالات الوقوع في شباك الصيد أو التقاط صنارة صيد. -تأسيس منطقة حظر صيد تبدأ من الشواطئ حيث مواقع نشاط السلاحف ومواقع مبيض وتكاثر الأسماك بعرض 1-2 كلم. -اعتماد سياسة ممنهجة للحدّ من استخدامات البلاستيك بدءاً من الأكياس بحيث تسعى السلاحف لالتهامها ظناً منها أنها قناديل بحر مما يؤدي إلى اختناقها ونفوقها.  


أجرى الحوار – سلام ناصر
12 آب/ أغسطس 2015 
الرابط 
https://shorturl.at/nPyNa

Friday, 24 February 2017

مقالة: من يقتل الثعلب الأحمر... منظم بيئة المدن والبراري؟ | Article: Who Is Killing the Red Fox, the Ecological Regulator of Urban and Wild Landscapes?



تنتمي الثعالب إلى فصيلة الكلبيات (التي تضم الذئاب وبنات آوى والقيوط والكلاب وهي أصغر هؤلاء..)، من جنس الثعلبيات، أوسع أنواع اللواحم البرية انتشاراً حول العالم. ويوجد من الثعلبيات اثنا عشر نوعاً أشهرها الثعلب الأحمر (Vulpes vulpes) والثعلب القطبي (Vulpes lagopus).
هناك 46 نوعاً فرعياً للثعالب الحمراء جرى التعرف عليها لغاية اليوم، آخرها كان في عام 2010 في وادي ساكرامنتو في كاليفورنيا Sacramento Valley. وقد تم العثور على أقدم أحافير الثعلب الأحمر في المجر وتعود للعصر الجليدي البليستوسيني المبكر (2.6 مليون – 11,700 عام).

التواصل والكشف

على الرغم من اسمها فإن فراء الثعالب الحمراء ليس دائماً أحمر بل يتمايز أحياناً بين البني الداكن المائل إلى الحمرة مع ألوان أخرى والذي يتمايز لوناً وكثافة بين نوع وآخر، وشكل رأسها الصغير والمستدق نحو الأنف (الرأس لدى الإناث أصغر منه لدى الذكور) وأذنيها المثلثة الشكل الطويلة المتمايزة بين نوع وآخر وقصر قوائمها نسبياً وذنبها الطويل (يزيد عن نصف طول الجسد) الكثيف الفراء وهو ما يجعلها تبدو أكبر من حجمها الطبيعي، وهي سريعة وتمتاز بمرونة حركتها وهو ما يسهل عليها المباغتة. وبإمكان الثعالب الحمراء أن تعدو حتى سرعة 49 كلم في الساعة (لفترات ليست طويلة).
تمتاز بحاستي بصر وشم قويتين وكذلك حاسة سمع قادرة، بعكس الثديات الأخرى، على التقاط الأصوات ذات الترددات المنخفضة مما يسمح لها بالكشف عن الحيوانات الصغيرة التي تحفر تحت الأرض وهي تعتمد على هذه المقدرة بشكل أساسي في الشتاء للبحث عن الفئران وغيرها من القوارض التي تنشط تحت طبقات من الثلج (هناك دراسة حديثة مثيرة حول استخدام الثعالب المجال المغناطيسي للأرض في تحديد وجهة وثبها الذي تشتهر به).
وتتواصل الثعالب مع بعضها بطرق عدة وهي تستعمل تعابير الوجه بالتزامن مع اتخاذ وضعيات مختلفة لأذنيها وذيلها، وتطلق أصواتاً تمتد بترددات ممتدة (خمسة أوكتاف Octave)، وللبالغة منها 12 نداء مختلفاً ولصغارها ثمانية وتشمل هذه النباح والعواء. وعلى الرغم من انتمائها إلى الكلبيات، على ما سبقت الإشارة، فإن لديها العديد من الخصائص المشتركة مع القطط.

ثعالب المنطقة

ينشط في لبنان وبلاد الشام أربعة أنواع من الثعالب الحمراء: الثعلب الأحمر ( يسمى أيضاً الثعلب الأحمر الفلسطيني Vulpes vulpes palaestina) والثعلب الأحمر العربي (Vulpes vulpes Arabica) ويعدان الأكثر نشاطاً في لبنان، والثعلب الأحمر التركماني (Vulpes vulpes flavescens) في سوريا، وثعلب بلاندفورد ويعرف أيضاً بالأفغاني (Vulpes cana) وينشط في جنوبي فلسطين. بالإضافة إلى خمسة أنواع مختلفة من الثعالب تجوب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وعلى الرغم من كثرة الدراسات التي حظيت بها إلا أن أموراً عدة، لا زالت تتكشف عن الثعالب الحمراء، ففي عام 2014 نشرت مجلة Molecular Ecology (السنة 23، العدد 19) دراسة شارك في إعدادها عدد من الباحثين البيولوجيين من جامعات عدة واعتبرت الأوسع حينها في تناولها جغرافيا انتشار أنواع الثعالب الحمراء حول العالم وهندستها الوراثية، وبعد تحليل تسلسل المصورات الحيوية الميتوكوندريا mitochondria لألف ثعلب أخذت كعينات من مختلف مواقع انتشار أنواعها، ظهر أن كل هذه الأنواع الفرعية إنما تعود إلى الثعلب الأحمر الذي جاب المنطقة (الشرق الأوسط حالياً) منذ مئات آلاف السنين وتنقل بين قاراتها.

تهاجم الثعالب صغار الخنازير البرية المخربة وهو دورٌ حيوي لتقليل أعدادها

وبالنظر إلى هذا التاريخ البيولوجي الطويل أدخلت تصنيفات عدة ضمن أنواع الثعلب الأحمر لعل أهمها الثعالب الشمالية وهو ما يقصد به القسم الشمالي من الكرة الأرضية وثعالب القسم الجنوبي منها وهي تتمايز بالبنية ولون الفراء. وبسبب التباعد المبكر بين الثعالب الحمراء في العالم القديم والعالم الجديد، اقترح إحياء الاسم العلمي القديم للثعلب الأحمر في أمريكا الشمالية (Vulpes fulva).

زيادة مشاهدات «العربي»

يتمايز شكل وحجم أنواع الثعالب الحمراء نسبة للمنطقة والمناخ مما يسهل تكيفها. فالثعالب المستوطنة في المناطق الجنوبية من الكرة الأرضية هي أصغر حجماً من تلك التي تعيش في المناطق الشمالية في أوروبا وأميركا الشمالية، على سبيل المثال. وقد يبلغ حجم الثعلب الأحمر الأوروبي ضعف حجم الثعلب الأحمر العربي الذي يمتاز بأذنين كبيرتين وبنية نحيلة وقوائم أطول نسبياً وأقل كثافة في الفراء تسهل عليه الحركة والتعامل مع قسوة المناخ وندرة الطعام. فيما تأتي الأنواع التي تعيش في الوسط بين الاثنين حجماً.
وفي لبنان يوجد الثعلب الأحمر والأحمر العربي ويمكن تمييزهما بالبنية حيث الأخير نحيل ولديه أذنان كبيرتان ورأس أصغر مستدق وفراء أقل كثافة على الجسم والذنب. وقد لوحظ زيادة مشاهدات الثعلب الأحمر العربي (الصورة) في الجنوب اللبناني وفق توثيق جمعية «الجنوبيون الخضر». والأرجح أن مرد ذلك يعود بشكل أساسي إلى التغيرات المناخية وانحسار الموائل وتداعيات ذلك على سلوك الثعالب وهو يطرح سؤالاً حول تغير وانتقال الثعالب إلى موائل جديدة بشكل عام، علماً أن الثعلب أظهر قدرة كبيرة على التكيف مع المتغيرات في محيطه وهذا يفسر انتشاره الواسع.

نظامها الغذائي ودورها

تمتاز الثعالب بسمعها الثاقب ومرونة حركتها وسرعتها ونشاطها وهي تصيد فردياً. وعلى الرغم من أنها من رتبة اللواحم فإن نظامها الغذائي لا يقتصر على اللحوم، فهي حيوانات حميتها تتسع لتشمل أصنافاً مختلفة من الفقاريات واللافقاريات والثديات الصغيرة وأحياناً صغار الثديات الكبيرة، أنواعاً عدة من الفواكه مثل العنب والتفاح وأيضاً الجذور. فالثعالب تقتات الطيور وبيوضها والأرانب وأنواع القوارض المختلفة والزواحف الصغيرة والبرمائيات وكذلك الحشرات والديدان والأسماك والسرطانات. وفي ذلك تلعب دوراً في تنظيم أعداد كل هذه العناصر في النظام البيئي. وفي لبنان وبلاد الشام قد تهاجم الثعالب صغار الخنازير البرية وهو دورٌ حيوي للغاية تتشارك فيه مع بنات آوى والذئاب، وبنسبة أقل الضباع المخططة. بذلك تسهم الثعالب في تنظيم أعداد الثدييات العاشبة بما فيها الخنازير البرية (والتي سجل تزايد في أعدادها في بعض المناطق نتيجة لقتل اللواحم بما فيها الثعالب) وإن كان، وهو ما يعلب دورٌ في المحافظة على حيوية الغابة والمزارع على حد سواء. وينافس الثعلب على مصادر الطعام إبن آوى الذهب (Canis aureus syriacus) الذي يعد كذلك من أنشط الحيوانات اللاحمة في البرية اللبنانية، ويتشارك الثعلب وإبن آوى النظام الغذائي بنسبة كبيرة (أظهرت دراسات أنها قد تصل إلى 75%) وإن كانت حمية الثعلب أعم من اللاحم إبن آوى بشمولها على الفواكه والخضار وغيرها.

بالرغم من حذرها وحيائها، تعدّ الأكثر قدرة على التكيف في الأماكن الحضرية

واللافت أن الثعلب أظهر، في بعض تلك الدراسات التي عملت على مراقبة نشاط النوعين في المناطق المتشاركة، أن الثعلب اقتات أعداداً أكبر من الثديات الصغيرة من حيث الكمية الإجمالية النسبية فيما تجاوز إبن آوى الثعلب في أعداد الثديات الأكبر ومنها الخنازير البرية، وقد يحصل أن يتصادم النوعان في مناطق النشاط ولذلك يعمد الثعلب إلى تحاشي ذلك مغبة أن يكلفه حياته. والأمر ذاته ينطبق على العلاقة التنافسية مع الغرير الأوراسي (Meles meles) المتواجد في البرية اللبنانية والذي قد يقتات أحياناً على صغار الثعالب. ويعد الثعلب من اللواحم النشطة للغاية، إذ يواصل الصيد حتى بعد شبعه ويعمد إلى حفظ وتخزين طرائده تحت أوراق أو في حفرٍ غير عميقة. وهذا ما يجعله عاملاً بدوام كامل لحفظ توازن البرية إذا جاز التعبير.

حيوية لصحة الأماكن الحضرية

على الرغم من حذرها الشديد وحيائها، تعد الثعالب الحمراء أكثر اللواحم وأنواع الثعالب قدرة على التكيف في الأماكن الحضرية وبذلك تشكل مع بوم الحظائر المتكيفة كذلك من الطيور (على سبيل المثال لا الحصر) أفضل ناظم لصحة النظم البيئية في المدن والأرياف. وعلى الرغم من التهديد الذي تشكله للدواجن، وهذا أمرٌ يمكن تلافيه مع اعتماد وسائل حماية غير مكلفة، إلا أن دورها وأهميتها يتجاوزان أعباء ذلك بكثير. فالثعالب الحمراء وباعتمادها على الحشرات (الجراد والصراصير واليرقات والديدان..) والقوارض (فئران وجرذان..) بالإضافة إلى التقميم وأكل بقايا الطعام واللحوم والطيور الميتة تسهم في الحفاظ على صحة بيئة الأرياف والمدن وكذلك جودة ووفرة الحقول الزراعية من دون الحاجة إلى استخدام السموم التي لها آثار سلبية جداً على المنتوجات والتربة والمياه وآثار خطيرة على النحل وغيرها من الحشرات النافعة وعلى النباتات والأشجار وبالتالي على صحة المزارع والغابات.


بطاقة هوية

تتخذ الثعالب رفيقاً لمدى الحياة. وتمتد فترة تزاوجها بين منتصف كانون ثاني وآذار ويلعب المناخ دوراً في تحديد ذلك. في لبنان وبلاد الشام تكون الفترة عادة بين كانون ثاني وشباط . فترة الحمل بين 49 إلى 58 يوماً. وقد تحمل أنثى الثعلب بين ثلاثة إلى عشرة أجنة والمعدل الأكثر شيوعاً هو خمسة. يُسمّى صغير الثّعلب الهِجْرِس. وتزن عند الولادة بين 56 و110 غرامات، مغلقة العيون وآذان مطوية ومن دون أسنان. وفي فترة 13 يوماً تفتح عيونها وتعتدل أذنيها وتبدأ أسنانها بالظهور وهي تعتمد أثناء الأسابيع الأربعة الأولى على أمها وخلال عشرة أشهر تكون يكتمل النمو.


لحماية الدواجن

لحماية الدواجن من الثعالب، يفترض إحكام إقفال حظيرة الدواجن بشكل جيد. ويمكن أيضاً اعتماد سور خارجي على ألا يقل عن مترين فالثعالب قادرة على الوثب العالي والتسلق، والالتفات إلى أن يكون عمق السور تحت الأرض ما لا يقل عن 30 سنتم (وهذا يتناسب مع تسلل الغرير أيضاً). والأفضل اعتماد نصب أجهزة استشعار ضوئي ليلية موجهة على محيط الحظيرة، وهذا كفيل بإبعاد جميع الحيوانات الليلية التي تخشى الضوء (والصوت) وهذا ما ثبت نجاحه حتى في مواجهة القطط الكبيرة (النمور والأسود..). كذلك فإن اقتناء كلب في المزرعة أو المنزل يمنع اقتراب الثعالب وغيرها. وقديماً قيل، «لكي لا يموت الديب ولا يفنى الغنم، كان الكلب».


قتلها يهدد النظام البيئي

وثق مؤخراً قتل عدد من الثعالب وبنات آوى في مناطق مختلفة من لبنان، وعلى الرغم من أن قانون الصيد اللبناني يحظر ذلك، فإن استمرار مسلسل القتل العبثي هذا بحق الحيوانات البرية واللاحمة منها على وجه الخصوص سيؤدي إلى اختلال النظم البيئية البرية في لبنان خاصة أن هذه اللواحم هي الأكثر نشاطاً في البرية اللبنانية مع انحسار دور الذئاب الرمادية التي تناقص عددها بشكل كبير والذي بات نشاطها محصوراً بمواقع محددة. فيما تتعرض الضباع المخططة للقتل العبثي بحيث بات يخشى عليها من الانقراض عن البرية اللبنانية علماً أنها تعتمد أكثر في نظامها الغذائي على التقميم. وهو ما يجعل من بنات آوى والثعالب أنشط الأنواع اللاحمة على رأس السلسلة الغذائية في البرية اللبنانية. وبالتالي فإن قتلها والإخلال بأعدادها سوف يخلّ تباعاً بأعداد العناصر- الأنواع في المستويات الأدنى وفق مفهوم Trophic cascades البيئي في فهم توازن السلسلة الغذائية من أعلى إلى أسفل. وهذا يعني اختلال كامل النظم البيئية البرية حيث تنشط هذه اللواحم، مما سيؤدي إلى تزايد أعداد أنواع على أخرى ومن شأن ذلك أن يخلف آثاراً كارثية على صحة هذه النظم واستدامتها وبالتالي على صحة الغابات واستمرارها... وهو بالتالي سيؤثر على جودة التربة والمياه ونوعية ووفرة إنتاج الأراضي الزراعية أي أمننا الغذائي والمائي.


جريدة الأخبار، 14 ديسمير/ كانون أول 2017

https://shorturl.at/owqY8

Wednesday, 15 February 2017

مقالة مطولة : وادي زبقين: الذاكرة الحيوية لجبل عامل..في خطر | In-Depth Article: Zbqeen Valley – The Ecological Memory of Jabal Amel at Risk


وادي زبقين: الذاكرة الحيوية لجبل عامل..في خطر**

على الرغم من التراجع الكبير في حالة "البرية اللبنانية" عما كانت عليه عبر التاريخ حين كانت الغابات تغطي ٧٤٪ من مساحة لبنان تجول بها مئات أنواع الحيوانات وفي مقدمها اللواحم من الثدييات فيما كانت العديد من مناطقه غابات كثيفة متصلة، حينها كانت البيئة في أفضل حالات الصحة والتوازن. فيما لا تتجاوز النسبة اليوم ١٣٪ بالإضافة إلى ١٠٪ أراضٍ حرجية أخرى بما يشكل إجمالي ٢٣٪[1]، لا زالت هذه تتمتع بالكثير من الخصائص سواء في تنوعها وغناها البيولوجي أو في نسبة المساحة الحرجية للمساحة الإجمالية لسطح البلد.
لقد أسهم موقع لبنان المتوسطي وتنوع تضاريسه وإختلاف مناخه في تشكيل نظم بيئية متعددة، وهو ما يفسر التنوع والوفرة البيولوجية التي يتمتع بها. فمساحته الصغيرة التي تعادل ٠,٠٠٧من مساحة سطح اليابسة، تعد موطناً ل ١,١١٪ من نباتات الكوكب و٢,٦٣٪ من ثديياته والزواحف والطيور. فيما يشكل بحره موطناً لأكثر من ١٧٩٠ نوعاً مختلفاً تمثل ٢,٧٪ من الحيوانات البحرية.[2]

هي خلاصة غير مكتملة لعدد أكبر من الأنواع المتوقعة والتي لم يجر تحديدها أو تصنيفها بعد. وقد حدد التقرير الوطني الخامس إلى معاهدة التنوع البيولوجي هدفاً من ضمن عدة أهداف بحلول ٢٠٣٠، في إطار مراجعة وتقييم وتحديث الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي للعام ١٩٩٨، تحديد وضع ٧٥٪ من الأنواع النباتية والحيوانية المعروفة، وتطبيق تدابير المحافظة على ٥٠٪ من الأنواع المهددة.

تعد هذه الأرقام والنسب مؤشراً شديد الدلالة على حيوية مذهلة تتمتع بها الحياة البرية في لبنان بالمقارنة مع ما تعرضت له، ولم تزل. سواء بسبب التمدد العمراني وسط غياب المخططات التوجيهية المستدامة، والذي يعد العامل الرئيسي في تراجع الموائل الطبيعية [3]،  ضمن عوامل أخرى من التدخل البشري منها الحرائق الكارثية وقطع الأشجار والرعي الجائر والصيد العبثي والتلوث المتعدد. وقد تفاقمت قضية التلوث في ظل التخبط السائد في التعامل مع أزمة النفايات وإعتماد سياسة "المطامر" غير المستدامة والتي لا تراعي الخصوصيات البيئية للمحيط في مخالفة صريحة للاتفاقيات الدولية الموقع عليها لبنان من بينها إتفاقية التنوع البيولوجي وإتفاقية برشلونة لحماية البحر المتوسط وغيرها من الإتفاقيات الإقليمية والدولية والمشاريع التي إنخرط لبنان بها حماية للبيئة والتنوع البيولوجي، وهو ما خلف وسيخلف آثاراً خطيرة على البيئة والتنوع والتوزان البيولوجي.

لقد أسهم في إستفحال فوضى التمدد الاسمنتي، التعديات الواسعة على المشاعات والممتلكات العامة التي سادت في مناطق لبنانية من الجنوب إلى الشمال وبعض مناطق البقاع وجبل لبنان، وتلك التي طالت الشاطئ اللبناني على مراحل مختلفة، وقضت على مساحات واسعة من البرية وقطعت أوصالها. تماماً كما أدت الطرق التي شقت من غير كبير حاجة أو تقييم للأثر البيئي وخلافاً لقانون المحافظة على الثروات الحرجية ٨٥/١٩٩١ والصادر عن المجلس النيابي تحت قانون حماية الغابات ٥٥٨/١٩٩٦ وكذلك قانون حماية البيئة ٤٤٤/٢٠٠٢.

 لقد أدت هذه الفوضى إلى تقويض العديد من الموائل المختلفة البرية والبحرية والمياه العذبة والأراضي الرطبة، بدرجة غير مسبوقة في حجمها حتى بالمقارنة مع مرحلتين شهدتا تدهوراً كبيراً في إيكولوجيا البلاد: أبان الحرب الداخلية، وبدرجة أكبر خلال فترة الاحتلال والتعديات الإسرائيلية المتواصلة التي تضمنت حرق وجرف لمساحات حرجية واسعة، وتفجير مغاور طبيعية وتحويل مجاري ينابيع، فضلاً عن سياسة زراعة الأراضي بحقول الألغام. والتي وإن أدت إلى قتل وإصابة عشرات المدنيين، فهي أدت خلال ربع قرن إلى قتل آلاف الحيوانات البرية (والماشية) وأثرت على حركتها وموائلها.

إن عملية إنحسار الموائل هذه إستغرقت فترة طويلة طالت عقود. وهو ما أدى إلى إخلال في النظم الإيكولوجية التي فقدت بعد عناصرها. إختلال لم تدرس آثاره بشكل وافٍ وعميق إلى اليوم لنقص في قاعدة البيانات وآليات تحصيلها من نظام مراقبة ووضع محاكاة للنظام البيئي والسلسلة الغذائية قبل وبعد وجمع المعطيات ومقارنتها. علماً أن هذه الآليات تطورت بشكل واضح منذ تقرير حالة التنوع عام ١٩٩٦. ومن الآثار التي ترتبت على تدهور الموائل وإختلال النظم الإيكولوجية هذه، التردي الذي أصاب جودة وقدرة التربة في مواجهة عوامل التعرية خاصة مع التغير المناخي وهو ما أسهم في ظاهرة التصحر وتراجع كميات المياه وجودتها. وهو ما كان له الأثر الأساسي على أنماط الحياة في المجتمعات المحلية وعلى نوعية وإنتاجية الزراعات فيها.
وفي قراءة لواقع التنوع البيولوجي في لبنان اليوم، نقف إزاء مشهد متناقض، فمن جهة ما تزال الحياة البرية تتمتع بحيوية لافتة وخاصة في المناطق التي تقل بها نسبة الأنشطة البشرية، وهي مساحة آخذة بالتآكل، وكذلك في المحميات الطبيعية التي تحتل اليوم 2.7% من مساحة البلاد. بالمقابل تتواصل كل أسباب تدهورها مع تفاقم التعديات بما يقوض المساحات الحرجية والبرية المتبقية بحيث باتت أشبه بجزر مبعثرة وسط بحر إسمنتي متمدد.

التنوع البيولوجي النباتي والحيواني
يشير التقرير الوطني الخامس للبنان إلى إتفاقية التنوع البيولوجي آب ٢٠١٥ الذي يستعيد معطيات تقرير البيئة في لبنان: الواقع والإتجاهات ٢٠١٠[4]، إلى وجود ٩,١١٩ صنف من النباتات والحيوانات موزعة بالتساوي تقريباً: ٤٦٣٣ نباتي و٤٤٨٦ حيواني. ويتوزع هذا التنوع على مجالات بيئية رئيسية ثلاث: برٌ  وبحر ومياه عذبة. [5]
وقد أحصى العالمان اللبنانيان جورج وهنريت طعمة  ٢٦١٢ نبتة عملا على تصنيفها طوال إثنا عشر عاماً في كتابهما المرجعي المصور[6]،  منها ما نسبته ١٢٪ من الأنواع المتفردة، فيما إختفى ما لا يقل عن ٩٣ نوعاً بما فيها ١٣ نوعاً متفرداً في حين إنضم ١٣ نوعاً جديداً ، إثنتان منها عدتا مؤشرات على الملوحة والتصحر.[7]
ووفق تقييم ٢٠١٠، يبلغ معدل إزالة الغابات سنوياً ٠,٤ ٪ من مجمل المساحات الحرجية البالغة ٢٣ ٪(١٣٪ غابات و١٠٪ أراض حرجية) وتحتل غابات السنديان ٥٢،٤٢٪ من المساحة الغطاء الحرجي والصنوبر ١٤،٩١٪ و في حين يغطي الأرز ٠،٨٣٪ والشوح ١،٧٦٪ وتمثل الغابات المختلطة ١٧،٩٨٪.  
على مستوى التنوع الحيواني، فإن من بين ٦١ نوعاً من الثدييات البرية المسجلة في لبنان، إنقرض عشرة منها في بداية القرن العشرين من بينها الدب السوري الذي ذكر أنه شوهد على السلسلة الشرقية مؤخراً والنمر الأرقط الآسيوي والفهد الصياد والماعز البري والغزال العربي وغيرها، فيما يعد ٣١٪ من الثدييات اليوم في وضع "نادرة" و٢٠٪ "معرضة للخطر" و٧،٥٪ "على وشك الإنقراض".

 وتغيب عن التقارير البيانات الواضحة حول وضع اللواحم التي لا زالت تتواجد في البرية اللبنانية وتواجه خطر الانقراض مثل الذئاب (بالأخص الرمادية والذئب العربي)، الضباع المخططة وبنات آوى الذهبية والثعالب الحمراء والغرير وغيره وإن بدرجات متفاوتة. وليس واقع الطيور أفضل حالاً، فمن أصل ٣٩٤ نوعاً إختفى منها إثنان (طائر الخرشنة المتوجة والوروار أزرق الخد) فيما ٦،٣٪ منها مهدد و٣٢٪ نادر وفقاً للقائمة الحمراء لدى الإتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة (IUCN) للعام ٢٠٠٧ وتشمل نوعين مهددين بالإنقراض، و8 أنواع معرضة للخطر وعشرة أنواع أخرى قريبة من التهديد.[8] ويواجه التنوع البيولوجي في المياه العذبة والبحري تحديات لا تقل خطورة حيث جرى إبادة العديد من النظم الإيكولوجية المائية الداخلية بسبب الصيد المائي الجائر والتلوث والتعديات المستفحلة ويكرر التقرير الوطني الخامس ٢٠١٥ بيانات تقييم ١٩٩٦ بأن ٥٪ من حيوانات المياه العذبة معرضة للتهديد، ومن بين ٢٥ نوعاً من الأسماك هناك نوع ضعيف الوجود وثلاثة معرضة للخطر ونوعين مهددين بالانقراض. [9]
إزاء واقع التنوع البيولوجي هذا في لبنان، ما هو واقعه جنوباً.

جبل عاملة.. الهضبة
يتوزع التنوع البيولوجي في لبنان على خمس مناطق جيومورفولوجية: الساحل، سلسلة جبال لبنان الغربية، سهل البقاع، سلسلة جبال لبنان الشرقية والتي تصل إلى جبل حرمون جنوباً، والجنوب. ويلعب جبل حرمون فضلاً عن فرادة تنوعه البيولوجي والذي يضم العديد من الأنواع المتفردة (تم فرز أكثر من مئة صنف خاص بجبل الشيخ وسلسلة جبال لبنان الشرقية)، في هذا التشكيل، دوراً حيوياً في تجميع مياه الأمطار ورفد الخزانات الجوفية التي بدورها ترفد الينابيع المنتشرة على منحدرات ونواحي الجبل في لبنان وسوريا وفلسطين.
 أما الجنوب ومنطقة جبل عامل، فتتشكل من هضبة مرتفعة تمتد على كامل المنطقة، من جنوبي السلسلة الغربية وإلى الجليل الأعلى ومن منحدرات حرمون شرقاً وتنتهي عند الخط الساحلي غرباً. وتخضع لمناخ متوسطي إلى متوسطي قاري وشبه صحراويLower Mediterranean zone(Thermomediteranean) – Eumediterranean zone [10]


Figure 1Fourth National Report of Lebanon to the convention on Biological Diversity, July 2009

وعلى الرغم من أن المنطقة كانت، كباقي المناطق اللبنانية ذات كثافة حرجية، تظهر أرقام وزارة الزراعة للعام ٢٠٠٣ أن نسبة حجم الغابات في الجنوب قدر تراجع بشكل كبير بحيث لا تتجاوز نسبة الغابات والمناطق الحرجية فيه  ١٥٪ (٩٪ في محافظة الجنوب و٦٪ في محافظة النبطية)[11]من إجمالي غابات وأحراج لبنان متوزعة على المناطق مع نسبة في أقضية جزين وحاصبيا (والبقاع الغربي) متأثرة بمجالات السلسلة الغربية والشرقية (حرمون).
أما على مستوى جبال عاملة فتتركز الأحراج في موقعين رئيسيين مجرى الليطاني –وادي الحجير ومنطقة جنوبي- شرق صور- بنت جبيل بإتجاه الجليل الأعلى وتعد الأكثر كثافة في هذا المحيط. حيث يحتل وادي العزية- زبقين وشعابه الممتدة على أكثر من ١٦كلم ، إلى ياطر ورامية والصالحاني وشيحين وبيت ليف ووادي العيون ومجدل زون حيز أساسي منها وهو ما يقدر بأكثر من 20 كلم مربع . كما وتنتشر الأحراج بالتوازي مع شعاب الوادي حتى الحدود مع فلسطين.
وساحلاً،  تشكل الشواطئ من عدلون إلى الناقورة أهم مناطق تنوع الشاطئي والبحري على الساحل اللبناني وتضم مواقع تعشيش السلاحف البحرية المهددة بالإنقراض وفق قائمة IUCN وهناك حالياً محمية شاطئ صور (قانون ٧٠٨/ ٥ ت٢ ١٩٩٨) ومقترح مقدم لمحمية في عدلون (الجنوبيون الخضر) وأخرى في الناقورة ضمن برنامج وزارة البيئة، بالإضافة إلى حمى شاطئ السلاحف البحرية الناشط في المنصوري بإدارة برنامج البيت البرتقالي.

 Figure 2البيئة في لبنان: الواقع والإتجاهات ٢٠١٠
مميزات الغابة
تمتاز أحراج وادي زبقين بالتواصل وبالسعة بقطر يتجاوز، في بعض المواقع، ٣.٦ كلم من المناطق الحرجية. وهي خصائص غير متوافرة في أي موقع آخر من جبل عامل بما في ذلك محمية وادي الحجير (قانون ١٢١، ٢٣ تموز ٢٠١٠) التي على الرغم من مساحتها الكبيرة (٣،٥٩٥ هكتار) باتت مقطعة الأوصال بالطرق الإسفلتية التي بلغت إحدى عشر طريقاً، فيما تستمر أعمال الإنشاءات على جانبيها (بما في ذلك محطة وقود) وهو ما سيؤدي إلى مزيد من التدهور في نظم المحمية البيئية خاصة مع زيادة نسبة التلوث التي تتسب به الطرق سواء في الهواء او على التربة أو على الأشجار وكذلك التلوث الصوتي الذي يربك أنواعاُ عدة من الحيوانات ويؤثر على سلوكها وبالتالي على إستقرارها وتوازن النظام البيئي. هذا فضلاً عما سجل السنة الماضية من نشاط لكسارات على أطراف المحمية وضمن المنطقة العازلة التي حددها قانون المحميات ب٥٠٠ متر. فيما تحتل المحميات الطبيعية الأخرى في رامية وبيت ليف ودبل وكفرا مساحات أصغر (٢٠ هكتار، ٢٠ هكتار، ٢٥ هكتار، ٤٠ هكتار على التوالي) وتعد أحراج رامية وبيت ليف إمتداداً للوادي وشعابه.
بالإضافة إلى الكثافة الحرجية، يمتاز الوادي بالتنوع البيولوجي النباتي وهو ما وفر تنوعاً أوسع في بيولوجيا الوادي الحيوانية. ومن بين مئات الأنواع والتي تحتاج إلى دراسة مستفيضة: البطم (الذي يعمر حتى ألف عام وأكتسبت المنطقة أسمه) والسنديان حيث يضم الوادي آخر غابات الصنوبر في المنطقة، والصنوبر والخرنوب وغيرها من الأنواع والتي تشكل بقايا الغابات القديمة التي غطت الأراضي منذ مليوني عام قبل أن تجتاح الشجيرات الباردة الحوض المتوسط ومن ضمنه لبنان. [12]



Figure 3الخارطة الطبيعية للوادي وشعابه والمقترحة محمية طبيعية

العيون

وزاد من تنوع الوادي بيولوجياً وفرة الينابيع أهمها (من الشرق إلى الغرب): نبع العزية، نبع النفخة، نبع العتمة، عين القصب، نبع الدلافة، نبع عين التينة نبع التنور ( الصالحاني). والتي ترفد جداول يمتد بعضها لعشرات الأمتار وعلى مدار العام ويرتفع منسوبها شتاءً. كما يرفد بعض هذه الينابيع السيول التي تجري أسفل الوادي والتي يجري بعضها من نواحي رميش مروراً بعيتا الشعب ثم دبل ووادي العيون قبل أن تمر ببيت ليف ثم وادي زبقين لتشكل مسيلاً موسمياً يقارب١٢-٢٠ متراً عرضاً ويغمر الوادي بعمق يزيد عن ٣٠ سنتم تقريباً (كان يبلغ أحياناً أكثر من متر عمق) وهو في ذلك أهم مسيل شتوي موسمي في المنطقة. إلا أن هذا الدفق الموسمي تراجع كثيراً في السنوات الماضية لأسباب عدة منها محلي وآخر يتعلق بالتغير المناخي.

 ويتميز النظام البيئي للنبع والجدول وهو يعد الأكثر تعقيداً بنية وتنوعاً بين النظم البيئية، والأكثر حساسية وعرضة للتهديد والمؤشر الأهم على صحة المحيط البيئي الأوسع (في هذه الحالة الوادي ككل). كما أن التنوع البيولوجي للمياه العذبة هو الأكثر تأثراً في لبنان من بين النظم الأخرى حيث تشكل الأنواع النباتية فيه ٦٪ من مجمل التنوع البيولوجي النباتي والأنواع الحيوانية ١٦٪ من مجمل التنوع البيولوجي الحيواني.[13]

وتلعب الينابيع، مهما كان حجمها صغيراً، دوراً أساسياً في إغناء التنوع الحيوي. حيث تشكل مصدراً لتنوع نباتي والذي يوفر المستوى الأول من السلسلة الغذائية للنظم الحيوية والتي يعلوها أصناف الحيوانات  العاشبة ومن ثم الحيوانات اللاحمة. وهي تعد عاملاً أساسياً لإستقرار العديد من الحيوانات والطيور والزواحف والبرمائيات في محيطها فضلاً عن إعتماد بعضها على وجوده بالكامل عليها (الأسماك، البرمائيات، الطفيليات المائية وحشرات الماء ..). وهذه بدورها تتوزع على مستويات السلسلة الغذائية للنظم البيئية التي سبق ذكرها. فمن دون المياه تتقلص قائمة النباتات ومعها تنوع وغنى مستويات السلسلة الغذائية الأخرى وهو ما يحدد تنوع وإستدامة النظام البيئي للموقع.
وعلى الرغم من التلوث الذي يلحقه به الزوار، يعيش حالياً في الجدول وعلى ضفافه عشرات أنواع النباتات أهمها أشجار دلفى والعديد من أصناف الحيوانات والبرمائيات والزواحف وبعض الأسماك والطيور والتي تعتاش على الطفيليات والقشريات الصغيرة والحشرات المائية ومن بين تلك أصناف من سلاحف المياه العذبة وحنكليس نهري وأصناف الضفادع وسرطانات المياه العذبة.

المُغر
كذلك يزيد من تنوع وخصوصية الوادي إنتشار المُغر، وهي التي توفر خاصية إضافية للنظام الحيوي للوادي. فالمُغر، بالإضافة إلى تمتعها بنظامها البيئي الخاص كما توفر، بالإستناد إلى عمقها وقدمها، فرصة فريدة بالتعرف على أقدم أصناف الحياة القائمة او المحفوظة في الموقع. وبعض هذه المُغر يقارب ٢٥ متراً عرضاً وعمق ٣٥ متراً وإرتفاع ١٠ أمتار (عند المدخل) كما هو حال مغارة النفخة، ومغر الصالحاني المتقاربة التي تبلغ عشرون حيث يتكاثر الحمام البري والخفافيش وتأوي العديد من الأصناف الحيوانية الأخرى.

الحيوانات اللاحمة

لقد شكل وادي زبقين، بهذه الخصائص، نظاماً بيئياً غنياً ومتنوعاً فريداً في هذا المجال الجيولوجي المتمايز من لبنان، وفر ملاذاً لمئات أنواع النباتات والأشجار والتي إندثرت في العديد من المناطق والتي شكلت المستوى الأول النباتي للنظام البيئي وهو ما أتاح إنتعاش المستوى الثاني المستهلك من الحيوانات العاشبة وأتاح وجود المستوى الثالث للنظام البيئي وسلسلته الغذائية الا وهو الحيوانات المفترسة من اللواحم وربما المستوى الرابع، وهو أيضا من اللواحم ولكن الكبيرة التي لا يعلوها مستوى آخر وتتربع على سلم الشبكة الغذائية والنظام البيئي.
إن هذا الغطاء الحرجي الذي يتمتع به الوادي، وإنما يدين إلى هذه العناصر مجتمعة: التربة والمياه والمناخ واللواحم، رأس النظم البيئية وحافظة توازنها، فضلاً عن محدودية التدخل البشري والتعديات (بإستثناء الرعي الذي خلف أضراراً غير محددة)، حتى اليوم. خاصة أن هذه الحيوانات اللاحمة جوالة وتحتاج إلى منطقة متصلة من البرية تتخذ منها أوكاراً وتحدد فيها "مناطقها" التي تصل إلى عدة كيلومترات تتحدد وفق توافر الغذاء والطرائد.
ومن بين تلك الحيوانات: الضباع المخططة،الثعالب الحمراء ،النيص، الخنازيرالبرية، الغرير،القطط البرية ، إين آوى الذهبي، الطبسون أو الوبر الصخري وغيرها من الأصناف. بالإضافة إلى عشرات أصناف الطيور منها:الباشق وصقر الشاهين وعقاب أسفع الكبير وأصناف من البوم والحمام البري واليمام بالإضافة إلى الخفافيش على ما سبقت الإشارة.
وفي حال تأكد ما ذكره شهود عن وجود الذئاب في الوادي (لا يمكن تأكيده وإن كان محتمل)، فإن ذلك يجعل وادي زبقين أحد المواقع الفريدة في لبنان التي تتمتع بها النظم البيئية بمستويات أربع، تشكل الذئاب رأسها  Apex predator    . وهي تعد من أغنى النظم البيئية وأكثرها تنوعاً ليس في لبنان وحسب بل في المنطقة والحوض المتوسطي.

لإعلان وادي زبقين محمية طبيعية

اليوم تشكل أحراج وادي زبقين وشعابه، بما تقدم، آخر مواقع التنوع البيولوجي في جبل عامل بعدما إلتهم التمدد العمراني والمخططات غير المستدامة والتعديات على المشاعات والحرائق وحول مساحات شاسعة من الجنوب إلى مناطق جرداء الكامل. بل ان الوادي يشكل بحق الذاكرة البيولوجية لجبل عامل والتي يجدر حمايتها والحفاظ عليها في مقدمة لدراسة مستفيضة لهذا التنوع تفيد حفظه وإعادة توطينه في المناطق الجرداء والمتصحرة من الجنوب والمناطق اللبنانية الأخرى.
اليوم يشكل حماية الوادي وإعلانه محمية طبيعية ضرورة وطنية وبيئية وصحية واقتصادية فضلاً عن أنه في متن السياسات البيئية الزراعية الحافظة للتنوع البيولوجي في لبنان والتي تنص عليها القوانين المرعية الإجراء سواء قانون حماية المناظر والمواقع الطبيعية (٨/٧/١٩٣٩) أو قانون المحافظة على الثروة الحرجية والأحراج (قانون ٨٥ /١٩٩١) وقانون حماية الغابات (٥٥٨ بتاريخ ٢٤/٧/١٩٩٦) وقانون حماية البيئة )444/ 2002 (فضلاً عن أن حمايته هو مسؤولية وطنية وأخلاقية بالدرجة الأولى.
لقد سبق لجمعية الجنوبيون الخضر قد تقدمت بمطالعة مرفقة بإقتراح لدى البلديات المعنية ونواب المنطقة بإعلان الوادي محمية طبيعية وهو ما يفيد حيوية وصحة كامل المحيط ويؤسس لفهم أفضل وأعمق للتنوع البيولوجي لكامل المنطقة ويؤسس لتنمية مستدامة ويطلق لاقتصاديات محلية تفيد من السياحة البيئة والزراعات البيولوجية التي توجه بها الدراسات التي توفرها المحمية ومختبراتها. ويسهم حماية الوادي بفتح الطريق أمام السياحة البيئية التي تعتبر اليوم من بين أكثر قطاعات التنمية المحلية الإنتاجية نماءاً وإستدامة وفائدة للمجتمعات المحلية.

خلاف ذلك، فإن أي حديث عن طريق إسفلت يشق في الوادي ليقرب المسافات بين البلدات والخط الساحلي هو بمثابة الكارثة الطبيعية والبيئية والإقتصادية والتي ستقضي على كل ما ورد أنفاً من خصوصيات تجعل منه أخر مواقع التنوع البيولوجي في جبل عامل فضلاً عن القضاء على فرصة أخيرة للتأسيس لتنمية مستدامة تقوم على حفظ الموارد والإستثمار في نمائها. كما يقضي على فرصة إستعادة هذا التنوع في باقي مناطق الجنوب.


د. هشام يونس
ناشط وباحث
مؤسس ورئيس جمعية الجنوبيون الخضر
** نشرت بالتزامن في كل من مجلة الإعمار والإقتصاد 3/2/2017 
وموقع GreenArea 



[1] Food and Agriculture Organization of the United Nation, 2010, Global Forest Recourses Assessment, 2010.
[2] MOE/UNDP/ECODIT, State and Trends of the Lebanese Environment, 2010.
[3] BCS(1996)- Biodiversity Country Study (MoA/ UNEP/GEF, 1996).
[4] MOE/GEF/UNDP, FNRCBD, 2009, Ministry of Environment-Lebanon. 2009. Fourth National Report of Lebanon to the Convention on Biological Diversity. MOE/GEF/UNDP, July 2009. كذلك: Fifth National Report of Lebanon to the Convention on Biological Diversity. MOE/GEF/UNDP, August 2015.
[5] MoA/UNEP, 1996.
[6] Tohme G. & H., Illustrated Flora of Lebanon, Beirut: CNRS publication,2014. 
[7]  MOE/UNDP/ECODIT,2010.
[8] MOE/GEF/UNDP, Fifth NRLCBD, August 2015.
[9] MOE/UNDP/ECODIT,2010.
[10] MOE/GEF/UNDP, FORTH NRLCBD, July 2009.
[11] MOA (2003). National Action Program to Combat Desertification, Beirut, Lebanon.
MOA/UNEP/GEF, 1996       
[12] MOE/UNDP/ECODIT, State and Trends of the Lebanese Environment, 2010.p.130.
[13] MOE/GEF/UNDP, Fifth NRLCBD, August 2015.p.17.