Friday, 24 February 2017

مقالة: من يقتل الثعلب الأحمر... منظم بيئة المدن والبراري؟ | Article: Who Is Killing the Red Fox, the Ecological Regulator of Urban and Wild Landscapes?



تنتمي الثعالب إلى فصيلة الكلبيات (التي تضم الذئاب وبنات آوى والقيوط والكلاب وهي أصغر هؤلاء..)، من جنس الثعلبيات، أوسع أنواع اللواحم البرية انتشاراً حول العالم. ويوجد من الثعلبيات اثنا عشر نوعاً أشهرها الثعلب الأحمر (Vulpes vulpes) والثعلب القطبي (Vulpes lagopus).
هناك 46 نوعاً فرعياً للثعالب الحمراء جرى التعرف عليها لغاية اليوم، آخرها كان في عام 2010 في وادي ساكرامنتو في كاليفورنيا Sacramento Valley. وقد تم العثور على أقدم أحافير الثعلب الأحمر في المجر وتعود للعصر الجليدي البليستوسيني المبكر (2.6 مليون – 11,700 عام).

التواصل والكشف

على الرغم من اسمها فإن فراء الثعالب الحمراء ليس دائماً أحمر بل يتمايز أحياناً بين البني الداكن المائل إلى الحمرة مع ألوان أخرى والذي يتمايز لوناً وكثافة بين نوع وآخر، وشكل رأسها الصغير والمستدق نحو الأنف (الرأس لدى الإناث أصغر منه لدى الذكور) وأذنيها المثلثة الشكل الطويلة المتمايزة بين نوع وآخر وقصر قوائمها نسبياً وذنبها الطويل (يزيد عن نصف طول الجسد) الكثيف الفراء وهو ما يجعلها تبدو أكبر من حجمها الطبيعي، وهي سريعة وتمتاز بمرونة حركتها وهو ما يسهل عليها المباغتة. وبإمكان الثعالب الحمراء أن تعدو حتى سرعة 49 كلم في الساعة (لفترات ليست طويلة).
تمتاز بحاستي بصر وشم قويتين وكذلك حاسة سمع قادرة، بعكس الثديات الأخرى، على التقاط الأصوات ذات الترددات المنخفضة مما يسمح لها بالكشف عن الحيوانات الصغيرة التي تحفر تحت الأرض وهي تعتمد على هذه المقدرة بشكل أساسي في الشتاء للبحث عن الفئران وغيرها من القوارض التي تنشط تحت طبقات من الثلج (هناك دراسة حديثة مثيرة حول استخدام الثعالب المجال المغناطيسي للأرض في تحديد وجهة وثبها الذي تشتهر به).
وتتواصل الثعالب مع بعضها بطرق عدة وهي تستعمل تعابير الوجه بالتزامن مع اتخاذ وضعيات مختلفة لأذنيها وذيلها، وتطلق أصواتاً تمتد بترددات ممتدة (خمسة أوكتاف Octave)، وللبالغة منها 12 نداء مختلفاً ولصغارها ثمانية وتشمل هذه النباح والعواء. وعلى الرغم من انتمائها إلى الكلبيات، على ما سبقت الإشارة، فإن لديها العديد من الخصائص المشتركة مع القطط.

ثعالب المنطقة

ينشط في لبنان وبلاد الشام أربعة أنواع من الثعالب الحمراء: الثعلب الأحمر ( يسمى أيضاً الثعلب الأحمر الفلسطيني Vulpes vulpes palaestina) والثعلب الأحمر العربي (Vulpes vulpes Arabica) ويعدان الأكثر نشاطاً في لبنان، والثعلب الأحمر التركماني (Vulpes vulpes flavescens) في سوريا، وثعلب بلاندفورد ويعرف أيضاً بالأفغاني (Vulpes cana) وينشط في جنوبي فلسطين. بالإضافة إلى خمسة أنواع مختلفة من الثعالب تجوب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وعلى الرغم من كثرة الدراسات التي حظيت بها إلا أن أموراً عدة، لا زالت تتكشف عن الثعالب الحمراء، ففي عام 2014 نشرت مجلة Molecular Ecology (السنة 23، العدد 19) دراسة شارك في إعدادها عدد من الباحثين البيولوجيين من جامعات عدة واعتبرت الأوسع حينها في تناولها جغرافيا انتشار أنواع الثعالب الحمراء حول العالم وهندستها الوراثية، وبعد تحليل تسلسل المصورات الحيوية الميتوكوندريا mitochondria لألف ثعلب أخذت كعينات من مختلف مواقع انتشار أنواعها، ظهر أن كل هذه الأنواع الفرعية إنما تعود إلى الثعلب الأحمر الذي جاب المنطقة (الشرق الأوسط حالياً) منذ مئات آلاف السنين وتنقل بين قاراتها.

تهاجم الثعالب صغار الخنازير البرية المخربة وهو دورٌ حيوي لتقليل أعدادها

وبالنظر إلى هذا التاريخ البيولوجي الطويل أدخلت تصنيفات عدة ضمن أنواع الثعلب الأحمر لعل أهمها الثعالب الشمالية وهو ما يقصد به القسم الشمالي من الكرة الأرضية وثعالب القسم الجنوبي منها وهي تتمايز بالبنية ولون الفراء. وبسبب التباعد المبكر بين الثعالب الحمراء في العالم القديم والعالم الجديد، اقترح إحياء الاسم العلمي القديم للثعلب الأحمر في أمريكا الشمالية (Vulpes fulva).

زيادة مشاهدات «العربي»

يتمايز شكل وحجم أنواع الثعالب الحمراء نسبة للمنطقة والمناخ مما يسهل تكيفها. فالثعالب المستوطنة في المناطق الجنوبية من الكرة الأرضية هي أصغر حجماً من تلك التي تعيش في المناطق الشمالية في أوروبا وأميركا الشمالية، على سبيل المثال. وقد يبلغ حجم الثعلب الأحمر الأوروبي ضعف حجم الثعلب الأحمر العربي الذي يمتاز بأذنين كبيرتين وبنية نحيلة وقوائم أطول نسبياً وأقل كثافة في الفراء تسهل عليه الحركة والتعامل مع قسوة المناخ وندرة الطعام. فيما تأتي الأنواع التي تعيش في الوسط بين الاثنين حجماً.
وفي لبنان يوجد الثعلب الأحمر والأحمر العربي ويمكن تمييزهما بالبنية حيث الأخير نحيل ولديه أذنان كبيرتان ورأس أصغر مستدق وفراء أقل كثافة على الجسم والذنب. وقد لوحظ زيادة مشاهدات الثعلب الأحمر العربي (الصورة) في الجنوب اللبناني وفق توثيق جمعية «الجنوبيون الخضر». والأرجح أن مرد ذلك يعود بشكل أساسي إلى التغيرات المناخية وانحسار الموائل وتداعيات ذلك على سلوك الثعالب وهو يطرح سؤالاً حول تغير وانتقال الثعالب إلى موائل جديدة بشكل عام، علماً أن الثعلب أظهر قدرة كبيرة على التكيف مع المتغيرات في محيطه وهذا يفسر انتشاره الواسع.

نظامها الغذائي ودورها

تمتاز الثعالب بسمعها الثاقب ومرونة حركتها وسرعتها ونشاطها وهي تصيد فردياً. وعلى الرغم من أنها من رتبة اللواحم فإن نظامها الغذائي لا يقتصر على اللحوم، فهي حيوانات حميتها تتسع لتشمل أصنافاً مختلفة من الفقاريات واللافقاريات والثديات الصغيرة وأحياناً صغار الثديات الكبيرة، أنواعاً عدة من الفواكه مثل العنب والتفاح وأيضاً الجذور. فالثعالب تقتات الطيور وبيوضها والأرانب وأنواع القوارض المختلفة والزواحف الصغيرة والبرمائيات وكذلك الحشرات والديدان والأسماك والسرطانات. وفي ذلك تلعب دوراً في تنظيم أعداد كل هذه العناصر في النظام البيئي. وفي لبنان وبلاد الشام قد تهاجم الثعالب صغار الخنازير البرية وهو دورٌ حيوي للغاية تتشارك فيه مع بنات آوى والذئاب، وبنسبة أقل الضباع المخططة. بذلك تسهم الثعالب في تنظيم أعداد الثدييات العاشبة بما فيها الخنازير البرية (والتي سجل تزايد في أعدادها في بعض المناطق نتيجة لقتل اللواحم بما فيها الثعالب) وإن كان، وهو ما يعلب دورٌ في المحافظة على حيوية الغابة والمزارع على حد سواء. وينافس الثعلب على مصادر الطعام إبن آوى الذهب (Canis aureus syriacus) الذي يعد كذلك من أنشط الحيوانات اللاحمة في البرية اللبنانية، ويتشارك الثعلب وإبن آوى النظام الغذائي بنسبة كبيرة (أظهرت دراسات أنها قد تصل إلى 75%) وإن كانت حمية الثعلب أعم من اللاحم إبن آوى بشمولها على الفواكه والخضار وغيرها.

بالرغم من حذرها وحيائها، تعدّ الأكثر قدرة على التكيف في الأماكن الحضرية

واللافت أن الثعلب أظهر، في بعض تلك الدراسات التي عملت على مراقبة نشاط النوعين في المناطق المتشاركة، أن الثعلب اقتات أعداداً أكبر من الثديات الصغيرة من حيث الكمية الإجمالية النسبية فيما تجاوز إبن آوى الثعلب في أعداد الثديات الأكبر ومنها الخنازير البرية، وقد يحصل أن يتصادم النوعان في مناطق النشاط ولذلك يعمد الثعلب إلى تحاشي ذلك مغبة أن يكلفه حياته. والأمر ذاته ينطبق على العلاقة التنافسية مع الغرير الأوراسي (Meles meles) المتواجد في البرية اللبنانية والذي قد يقتات أحياناً على صغار الثعالب. ويعد الثعلب من اللواحم النشطة للغاية، إذ يواصل الصيد حتى بعد شبعه ويعمد إلى حفظ وتخزين طرائده تحت أوراق أو في حفرٍ غير عميقة. وهذا ما يجعله عاملاً بدوام كامل لحفظ توازن البرية إذا جاز التعبير.

حيوية لصحة الأماكن الحضرية

على الرغم من حذرها الشديد وحيائها، تعد الثعالب الحمراء أكثر اللواحم وأنواع الثعالب قدرة على التكيف في الأماكن الحضرية وبذلك تشكل مع بوم الحظائر المتكيفة كذلك من الطيور (على سبيل المثال لا الحصر) أفضل ناظم لصحة النظم البيئية في المدن والأرياف. وعلى الرغم من التهديد الذي تشكله للدواجن، وهذا أمرٌ يمكن تلافيه مع اعتماد وسائل حماية غير مكلفة، إلا أن دورها وأهميتها يتجاوزان أعباء ذلك بكثير. فالثعالب الحمراء وباعتمادها على الحشرات (الجراد والصراصير واليرقات والديدان..) والقوارض (فئران وجرذان..) بالإضافة إلى التقميم وأكل بقايا الطعام واللحوم والطيور الميتة تسهم في الحفاظ على صحة بيئة الأرياف والمدن وكذلك جودة ووفرة الحقول الزراعية من دون الحاجة إلى استخدام السموم التي لها آثار سلبية جداً على المنتوجات والتربة والمياه وآثار خطيرة على النحل وغيرها من الحشرات النافعة وعلى النباتات والأشجار وبالتالي على صحة المزارع والغابات.


بطاقة هوية

تتخذ الثعالب رفيقاً لمدى الحياة. وتمتد فترة تزاوجها بين منتصف كانون ثاني وآذار ويلعب المناخ دوراً في تحديد ذلك. في لبنان وبلاد الشام تكون الفترة عادة بين كانون ثاني وشباط . فترة الحمل بين 49 إلى 58 يوماً. وقد تحمل أنثى الثعلب بين ثلاثة إلى عشرة أجنة والمعدل الأكثر شيوعاً هو خمسة. يُسمّى صغير الثّعلب الهِجْرِس. وتزن عند الولادة بين 56 و110 غرامات، مغلقة العيون وآذان مطوية ومن دون أسنان. وفي فترة 13 يوماً تفتح عيونها وتعتدل أذنيها وتبدأ أسنانها بالظهور وهي تعتمد أثناء الأسابيع الأربعة الأولى على أمها وخلال عشرة أشهر تكون يكتمل النمو.


لحماية الدواجن

لحماية الدواجن من الثعالب، يفترض إحكام إقفال حظيرة الدواجن بشكل جيد. ويمكن أيضاً اعتماد سور خارجي على ألا يقل عن مترين فالثعالب قادرة على الوثب العالي والتسلق، والالتفات إلى أن يكون عمق السور تحت الأرض ما لا يقل عن 30 سنتم (وهذا يتناسب مع تسلل الغرير أيضاً). والأفضل اعتماد نصب أجهزة استشعار ضوئي ليلية موجهة على محيط الحظيرة، وهذا كفيل بإبعاد جميع الحيوانات الليلية التي تخشى الضوء (والصوت) وهذا ما ثبت نجاحه حتى في مواجهة القطط الكبيرة (النمور والأسود..). كذلك فإن اقتناء كلب في المزرعة أو المنزل يمنع اقتراب الثعالب وغيرها. وقديماً قيل، «لكي لا يموت الديب ولا يفنى الغنم، كان الكلب».


قتلها يهدد النظام البيئي

وثق مؤخراً قتل عدد من الثعالب وبنات آوى في مناطق مختلفة من لبنان، وعلى الرغم من أن قانون الصيد اللبناني يحظر ذلك، فإن استمرار مسلسل القتل العبثي هذا بحق الحيوانات البرية واللاحمة منها على وجه الخصوص سيؤدي إلى اختلال النظم البيئية البرية في لبنان خاصة أن هذه اللواحم هي الأكثر نشاطاً في البرية اللبنانية مع انحسار دور الذئاب الرمادية التي تناقص عددها بشكل كبير والذي بات نشاطها محصوراً بمواقع محددة. فيما تتعرض الضباع المخططة للقتل العبثي بحيث بات يخشى عليها من الانقراض عن البرية اللبنانية علماً أنها تعتمد أكثر في نظامها الغذائي على التقميم. وهو ما يجعل من بنات آوى والثعالب أنشط الأنواع اللاحمة على رأس السلسلة الغذائية في البرية اللبنانية. وبالتالي فإن قتلها والإخلال بأعدادها سوف يخلّ تباعاً بأعداد العناصر- الأنواع في المستويات الأدنى وفق مفهوم Trophic cascades البيئي في فهم توازن السلسلة الغذائية من أعلى إلى أسفل. وهذا يعني اختلال كامل النظم البيئية البرية حيث تنشط هذه اللواحم، مما سيؤدي إلى تزايد أعداد أنواع على أخرى ومن شأن ذلك أن يخلف آثاراً كارثية على صحة هذه النظم واستدامتها وبالتالي على صحة الغابات واستمرارها... وهو بالتالي سيؤثر على جودة التربة والمياه ونوعية ووفرة إنتاج الأراضي الزراعية أي أمننا الغذائي والمائي.


جريدة الأخبار، 14 ديسمير/ كانون أول 2017

https://shorturl.at/owqY8

Wednesday, 15 February 2017

مقالة مطولة : وادي زبقين: الذاكرة الحيوية لجبل عامل..في خطر | In-Depth Article: Zbqeen Valley – The Ecological Memory of Jabal Amel at Risk


وادي زبقين: الذاكرة الحيوية لجبل عامل..في خطر**

على الرغم من التراجع الكبير في حالة "البرية اللبنانية" عما كانت عليه عبر التاريخ حين كانت الغابات تغطي ٧٤٪ من مساحة لبنان تجول بها مئات أنواع الحيوانات وفي مقدمها اللواحم من الثدييات فيما كانت العديد من مناطقه غابات كثيفة متصلة، حينها كانت البيئة في أفضل حالات الصحة والتوازن. فيما لا تتجاوز النسبة اليوم ١٣٪ بالإضافة إلى ١٠٪ أراضٍ حرجية أخرى بما يشكل إجمالي ٢٣٪[1]، لا زالت هذه تتمتع بالكثير من الخصائص سواء في تنوعها وغناها البيولوجي أو في نسبة المساحة الحرجية للمساحة الإجمالية لسطح البلد.
لقد أسهم موقع لبنان المتوسطي وتنوع تضاريسه وإختلاف مناخه في تشكيل نظم بيئية متعددة، وهو ما يفسر التنوع والوفرة البيولوجية التي يتمتع بها. فمساحته الصغيرة التي تعادل ٠,٠٠٧من مساحة سطح اليابسة، تعد موطناً ل ١,١١٪ من نباتات الكوكب و٢,٦٣٪ من ثديياته والزواحف والطيور. فيما يشكل بحره موطناً لأكثر من ١٧٩٠ نوعاً مختلفاً تمثل ٢,٧٪ من الحيوانات البحرية.[2]

هي خلاصة غير مكتملة لعدد أكبر من الأنواع المتوقعة والتي لم يجر تحديدها أو تصنيفها بعد. وقد حدد التقرير الوطني الخامس إلى معاهدة التنوع البيولوجي هدفاً من ضمن عدة أهداف بحلول ٢٠٣٠، في إطار مراجعة وتقييم وتحديث الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي للعام ١٩٩٨، تحديد وضع ٧٥٪ من الأنواع النباتية والحيوانية المعروفة، وتطبيق تدابير المحافظة على ٥٠٪ من الأنواع المهددة.

تعد هذه الأرقام والنسب مؤشراً شديد الدلالة على حيوية مذهلة تتمتع بها الحياة البرية في لبنان بالمقارنة مع ما تعرضت له، ولم تزل. سواء بسبب التمدد العمراني وسط غياب المخططات التوجيهية المستدامة، والذي يعد العامل الرئيسي في تراجع الموائل الطبيعية [3]،  ضمن عوامل أخرى من التدخل البشري منها الحرائق الكارثية وقطع الأشجار والرعي الجائر والصيد العبثي والتلوث المتعدد. وقد تفاقمت قضية التلوث في ظل التخبط السائد في التعامل مع أزمة النفايات وإعتماد سياسة "المطامر" غير المستدامة والتي لا تراعي الخصوصيات البيئية للمحيط في مخالفة صريحة للاتفاقيات الدولية الموقع عليها لبنان من بينها إتفاقية التنوع البيولوجي وإتفاقية برشلونة لحماية البحر المتوسط وغيرها من الإتفاقيات الإقليمية والدولية والمشاريع التي إنخرط لبنان بها حماية للبيئة والتنوع البيولوجي، وهو ما خلف وسيخلف آثاراً خطيرة على البيئة والتنوع والتوزان البيولوجي.

لقد أسهم في إستفحال فوضى التمدد الاسمنتي، التعديات الواسعة على المشاعات والممتلكات العامة التي سادت في مناطق لبنانية من الجنوب إلى الشمال وبعض مناطق البقاع وجبل لبنان، وتلك التي طالت الشاطئ اللبناني على مراحل مختلفة، وقضت على مساحات واسعة من البرية وقطعت أوصالها. تماماً كما أدت الطرق التي شقت من غير كبير حاجة أو تقييم للأثر البيئي وخلافاً لقانون المحافظة على الثروات الحرجية ٨٥/١٩٩١ والصادر عن المجلس النيابي تحت قانون حماية الغابات ٥٥٨/١٩٩٦ وكذلك قانون حماية البيئة ٤٤٤/٢٠٠٢.

 لقد أدت هذه الفوضى إلى تقويض العديد من الموائل المختلفة البرية والبحرية والمياه العذبة والأراضي الرطبة، بدرجة غير مسبوقة في حجمها حتى بالمقارنة مع مرحلتين شهدتا تدهوراً كبيراً في إيكولوجيا البلاد: أبان الحرب الداخلية، وبدرجة أكبر خلال فترة الاحتلال والتعديات الإسرائيلية المتواصلة التي تضمنت حرق وجرف لمساحات حرجية واسعة، وتفجير مغاور طبيعية وتحويل مجاري ينابيع، فضلاً عن سياسة زراعة الأراضي بحقول الألغام. والتي وإن أدت إلى قتل وإصابة عشرات المدنيين، فهي أدت خلال ربع قرن إلى قتل آلاف الحيوانات البرية (والماشية) وأثرت على حركتها وموائلها.

إن عملية إنحسار الموائل هذه إستغرقت فترة طويلة طالت عقود. وهو ما أدى إلى إخلال في النظم الإيكولوجية التي فقدت بعد عناصرها. إختلال لم تدرس آثاره بشكل وافٍ وعميق إلى اليوم لنقص في قاعدة البيانات وآليات تحصيلها من نظام مراقبة ووضع محاكاة للنظام البيئي والسلسلة الغذائية قبل وبعد وجمع المعطيات ومقارنتها. علماً أن هذه الآليات تطورت بشكل واضح منذ تقرير حالة التنوع عام ١٩٩٦. ومن الآثار التي ترتبت على تدهور الموائل وإختلال النظم الإيكولوجية هذه، التردي الذي أصاب جودة وقدرة التربة في مواجهة عوامل التعرية خاصة مع التغير المناخي وهو ما أسهم في ظاهرة التصحر وتراجع كميات المياه وجودتها. وهو ما كان له الأثر الأساسي على أنماط الحياة في المجتمعات المحلية وعلى نوعية وإنتاجية الزراعات فيها.
وفي قراءة لواقع التنوع البيولوجي في لبنان اليوم، نقف إزاء مشهد متناقض، فمن جهة ما تزال الحياة البرية تتمتع بحيوية لافتة وخاصة في المناطق التي تقل بها نسبة الأنشطة البشرية، وهي مساحة آخذة بالتآكل، وكذلك في المحميات الطبيعية التي تحتل اليوم 2.7% من مساحة البلاد. بالمقابل تتواصل كل أسباب تدهورها مع تفاقم التعديات بما يقوض المساحات الحرجية والبرية المتبقية بحيث باتت أشبه بجزر مبعثرة وسط بحر إسمنتي متمدد.

التنوع البيولوجي النباتي والحيواني
يشير التقرير الوطني الخامس للبنان إلى إتفاقية التنوع البيولوجي آب ٢٠١٥ الذي يستعيد معطيات تقرير البيئة في لبنان: الواقع والإتجاهات ٢٠١٠[4]، إلى وجود ٩,١١٩ صنف من النباتات والحيوانات موزعة بالتساوي تقريباً: ٤٦٣٣ نباتي و٤٤٨٦ حيواني. ويتوزع هذا التنوع على مجالات بيئية رئيسية ثلاث: برٌ  وبحر ومياه عذبة. [5]
وقد أحصى العالمان اللبنانيان جورج وهنريت طعمة  ٢٦١٢ نبتة عملا على تصنيفها طوال إثنا عشر عاماً في كتابهما المرجعي المصور[6]،  منها ما نسبته ١٢٪ من الأنواع المتفردة، فيما إختفى ما لا يقل عن ٩٣ نوعاً بما فيها ١٣ نوعاً متفرداً في حين إنضم ١٣ نوعاً جديداً ، إثنتان منها عدتا مؤشرات على الملوحة والتصحر.[7]
ووفق تقييم ٢٠١٠، يبلغ معدل إزالة الغابات سنوياً ٠,٤ ٪ من مجمل المساحات الحرجية البالغة ٢٣ ٪(١٣٪ غابات و١٠٪ أراض حرجية) وتحتل غابات السنديان ٥٢،٤٢٪ من المساحة الغطاء الحرجي والصنوبر ١٤،٩١٪ و في حين يغطي الأرز ٠،٨٣٪ والشوح ١،٧٦٪ وتمثل الغابات المختلطة ١٧،٩٨٪.  
على مستوى التنوع الحيواني، فإن من بين ٦١ نوعاً من الثدييات البرية المسجلة في لبنان، إنقرض عشرة منها في بداية القرن العشرين من بينها الدب السوري الذي ذكر أنه شوهد على السلسلة الشرقية مؤخراً والنمر الأرقط الآسيوي والفهد الصياد والماعز البري والغزال العربي وغيرها، فيما يعد ٣١٪ من الثدييات اليوم في وضع "نادرة" و٢٠٪ "معرضة للخطر" و٧،٥٪ "على وشك الإنقراض".

 وتغيب عن التقارير البيانات الواضحة حول وضع اللواحم التي لا زالت تتواجد في البرية اللبنانية وتواجه خطر الانقراض مثل الذئاب (بالأخص الرمادية والذئب العربي)، الضباع المخططة وبنات آوى الذهبية والثعالب الحمراء والغرير وغيره وإن بدرجات متفاوتة. وليس واقع الطيور أفضل حالاً، فمن أصل ٣٩٤ نوعاً إختفى منها إثنان (طائر الخرشنة المتوجة والوروار أزرق الخد) فيما ٦،٣٪ منها مهدد و٣٢٪ نادر وفقاً للقائمة الحمراء لدى الإتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة (IUCN) للعام ٢٠٠٧ وتشمل نوعين مهددين بالإنقراض، و8 أنواع معرضة للخطر وعشرة أنواع أخرى قريبة من التهديد.[8] ويواجه التنوع البيولوجي في المياه العذبة والبحري تحديات لا تقل خطورة حيث جرى إبادة العديد من النظم الإيكولوجية المائية الداخلية بسبب الصيد المائي الجائر والتلوث والتعديات المستفحلة ويكرر التقرير الوطني الخامس ٢٠١٥ بيانات تقييم ١٩٩٦ بأن ٥٪ من حيوانات المياه العذبة معرضة للتهديد، ومن بين ٢٥ نوعاً من الأسماك هناك نوع ضعيف الوجود وثلاثة معرضة للخطر ونوعين مهددين بالانقراض. [9]
إزاء واقع التنوع البيولوجي هذا في لبنان، ما هو واقعه جنوباً.

جبل عاملة.. الهضبة
يتوزع التنوع البيولوجي في لبنان على خمس مناطق جيومورفولوجية: الساحل، سلسلة جبال لبنان الغربية، سهل البقاع، سلسلة جبال لبنان الشرقية والتي تصل إلى جبل حرمون جنوباً، والجنوب. ويلعب جبل حرمون فضلاً عن فرادة تنوعه البيولوجي والذي يضم العديد من الأنواع المتفردة (تم فرز أكثر من مئة صنف خاص بجبل الشيخ وسلسلة جبال لبنان الشرقية)، في هذا التشكيل، دوراً حيوياً في تجميع مياه الأمطار ورفد الخزانات الجوفية التي بدورها ترفد الينابيع المنتشرة على منحدرات ونواحي الجبل في لبنان وسوريا وفلسطين.
 أما الجنوب ومنطقة جبل عامل، فتتشكل من هضبة مرتفعة تمتد على كامل المنطقة، من جنوبي السلسلة الغربية وإلى الجليل الأعلى ومن منحدرات حرمون شرقاً وتنتهي عند الخط الساحلي غرباً. وتخضع لمناخ متوسطي إلى متوسطي قاري وشبه صحراويLower Mediterranean zone(Thermomediteranean) – Eumediterranean zone [10]


Figure 1Fourth National Report of Lebanon to the convention on Biological Diversity, July 2009

وعلى الرغم من أن المنطقة كانت، كباقي المناطق اللبنانية ذات كثافة حرجية، تظهر أرقام وزارة الزراعة للعام ٢٠٠٣ أن نسبة حجم الغابات في الجنوب قدر تراجع بشكل كبير بحيث لا تتجاوز نسبة الغابات والمناطق الحرجية فيه  ١٥٪ (٩٪ في محافظة الجنوب و٦٪ في محافظة النبطية)[11]من إجمالي غابات وأحراج لبنان متوزعة على المناطق مع نسبة في أقضية جزين وحاصبيا (والبقاع الغربي) متأثرة بمجالات السلسلة الغربية والشرقية (حرمون).
أما على مستوى جبال عاملة فتتركز الأحراج في موقعين رئيسيين مجرى الليطاني –وادي الحجير ومنطقة جنوبي- شرق صور- بنت جبيل بإتجاه الجليل الأعلى وتعد الأكثر كثافة في هذا المحيط. حيث يحتل وادي العزية- زبقين وشعابه الممتدة على أكثر من ١٦كلم ، إلى ياطر ورامية والصالحاني وشيحين وبيت ليف ووادي العيون ومجدل زون حيز أساسي منها وهو ما يقدر بأكثر من 20 كلم مربع . كما وتنتشر الأحراج بالتوازي مع شعاب الوادي حتى الحدود مع فلسطين.
وساحلاً،  تشكل الشواطئ من عدلون إلى الناقورة أهم مناطق تنوع الشاطئي والبحري على الساحل اللبناني وتضم مواقع تعشيش السلاحف البحرية المهددة بالإنقراض وفق قائمة IUCN وهناك حالياً محمية شاطئ صور (قانون ٧٠٨/ ٥ ت٢ ١٩٩٨) ومقترح مقدم لمحمية في عدلون (الجنوبيون الخضر) وأخرى في الناقورة ضمن برنامج وزارة البيئة، بالإضافة إلى حمى شاطئ السلاحف البحرية الناشط في المنصوري بإدارة برنامج البيت البرتقالي.

 Figure 2البيئة في لبنان: الواقع والإتجاهات ٢٠١٠
مميزات الغابة
تمتاز أحراج وادي زبقين بالتواصل وبالسعة بقطر يتجاوز، في بعض المواقع، ٣.٦ كلم من المناطق الحرجية. وهي خصائص غير متوافرة في أي موقع آخر من جبل عامل بما في ذلك محمية وادي الحجير (قانون ١٢١، ٢٣ تموز ٢٠١٠) التي على الرغم من مساحتها الكبيرة (٣،٥٩٥ هكتار) باتت مقطعة الأوصال بالطرق الإسفلتية التي بلغت إحدى عشر طريقاً، فيما تستمر أعمال الإنشاءات على جانبيها (بما في ذلك محطة وقود) وهو ما سيؤدي إلى مزيد من التدهور في نظم المحمية البيئية خاصة مع زيادة نسبة التلوث التي تتسب به الطرق سواء في الهواء او على التربة أو على الأشجار وكذلك التلوث الصوتي الذي يربك أنواعاُ عدة من الحيوانات ويؤثر على سلوكها وبالتالي على إستقرارها وتوازن النظام البيئي. هذا فضلاً عما سجل السنة الماضية من نشاط لكسارات على أطراف المحمية وضمن المنطقة العازلة التي حددها قانون المحميات ب٥٠٠ متر. فيما تحتل المحميات الطبيعية الأخرى في رامية وبيت ليف ودبل وكفرا مساحات أصغر (٢٠ هكتار، ٢٠ هكتار، ٢٥ هكتار، ٤٠ هكتار على التوالي) وتعد أحراج رامية وبيت ليف إمتداداً للوادي وشعابه.
بالإضافة إلى الكثافة الحرجية، يمتاز الوادي بالتنوع البيولوجي النباتي وهو ما وفر تنوعاً أوسع في بيولوجيا الوادي الحيوانية. ومن بين مئات الأنواع والتي تحتاج إلى دراسة مستفيضة: البطم (الذي يعمر حتى ألف عام وأكتسبت المنطقة أسمه) والسنديان حيث يضم الوادي آخر غابات الصنوبر في المنطقة، والصنوبر والخرنوب وغيرها من الأنواع والتي تشكل بقايا الغابات القديمة التي غطت الأراضي منذ مليوني عام قبل أن تجتاح الشجيرات الباردة الحوض المتوسط ومن ضمنه لبنان. [12]



Figure 3الخارطة الطبيعية للوادي وشعابه والمقترحة محمية طبيعية

العيون

وزاد من تنوع الوادي بيولوجياً وفرة الينابيع أهمها (من الشرق إلى الغرب): نبع العزية، نبع النفخة، نبع العتمة، عين القصب، نبع الدلافة، نبع عين التينة نبع التنور ( الصالحاني). والتي ترفد جداول يمتد بعضها لعشرات الأمتار وعلى مدار العام ويرتفع منسوبها شتاءً. كما يرفد بعض هذه الينابيع السيول التي تجري أسفل الوادي والتي يجري بعضها من نواحي رميش مروراً بعيتا الشعب ثم دبل ووادي العيون قبل أن تمر ببيت ليف ثم وادي زبقين لتشكل مسيلاً موسمياً يقارب١٢-٢٠ متراً عرضاً ويغمر الوادي بعمق يزيد عن ٣٠ سنتم تقريباً (كان يبلغ أحياناً أكثر من متر عمق) وهو في ذلك أهم مسيل شتوي موسمي في المنطقة. إلا أن هذا الدفق الموسمي تراجع كثيراً في السنوات الماضية لأسباب عدة منها محلي وآخر يتعلق بالتغير المناخي.

 ويتميز النظام البيئي للنبع والجدول وهو يعد الأكثر تعقيداً بنية وتنوعاً بين النظم البيئية، والأكثر حساسية وعرضة للتهديد والمؤشر الأهم على صحة المحيط البيئي الأوسع (في هذه الحالة الوادي ككل). كما أن التنوع البيولوجي للمياه العذبة هو الأكثر تأثراً في لبنان من بين النظم الأخرى حيث تشكل الأنواع النباتية فيه ٦٪ من مجمل التنوع البيولوجي النباتي والأنواع الحيوانية ١٦٪ من مجمل التنوع البيولوجي الحيواني.[13]

وتلعب الينابيع، مهما كان حجمها صغيراً، دوراً أساسياً في إغناء التنوع الحيوي. حيث تشكل مصدراً لتنوع نباتي والذي يوفر المستوى الأول من السلسلة الغذائية للنظم الحيوية والتي يعلوها أصناف الحيوانات  العاشبة ومن ثم الحيوانات اللاحمة. وهي تعد عاملاً أساسياً لإستقرار العديد من الحيوانات والطيور والزواحف والبرمائيات في محيطها فضلاً عن إعتماد بعضها على وجوده بالكامل عليها (الأسماك، البرمائيات، الطفيليات المائية وحشرات الماء ..). وهذه بدورها تتوزع على مستويات السلسلة الغذائية للنظم البيئية التي سبق ذكرها. فمن دون المياه تتقلص قائمة النباتات ومعها تنوع وغنى مستويات السلسلة الغذائية الأخرى وهو ما يحدد تنوع وإستدامة النظام البيئي للموقع.
وعلى الرغم من التلوث الذي يلحقه به الزوار، يعيش حالياً في الجدول وعلى ضفافه عشرات أنواع النباتات أهمها أشجار دلفى والعديد من أصناف الحيوانات والبرمائيات والزواحف وبعض الأسماك والطيور والتي تعتاش على الطفيليات والقشريات الصغيرة والحشرات المائية ومن بين تلك أصناف من سلاحف المياه العذبة وحنكليس نهري وأصناف الضفادع وسرطانات المياه العذبة.

المُغر
كذلك يزيد من تنوع وخصوصية الوادي إنتشار المُغر، وهي التي توفر خاصية إضافية للنظام الحيوي للوادي. فالمُغر، بالإضافة إلى تمتعها بنظامها البيئي الخاص كما توفر، بالإستناد إلى عمقها وقدمها، فرصة فريدة بالتعرف على أقدم أصناف الحياة القائمة او المحفوظة في الموقع. وبعض هذه المُغر يقارب ٢٥ متراً عرضاً وعمق ٣٥ متراً وإرتفاع ١٠ أمتار (عند المدخل) كما هو حال مغارة النفخة، ومغر الصالحاني المتقاربة التي تبلغ عشرون حيث يتكاثر الحمام البري والخفافيش وتأوي العديد من الأصناف الحيوانية الأخرى.

الحيوانات اللاحمة

لقد شكل وادي زبقين، بهذه الخصائص، نظاماً بيئياً غنياً ومتنوعاً فريداً في هذا المجال الجيولوجي المتمايز من لبنان، وفر ملاذاً لمئات أنواع النباتات والأشجار والتي إندثرت في العديد من المناطق والتي شكلت المستوى الأول النباتي للنظام البيئي وهو ما أتاح إنتعاش المستوى الثاني المستهلك من الحيوانات العاشبة وأتاح وجود المستوى الثالث للنظام البيئي وسلسلته الغذائية الا وهو الحيوانات المفترسة من اللواحم وربما المستوى الرابع، وهو أيضا من اللواحم ولكن الكبيرة التي لا يعلوها مستوى آخر وتتربع على سلم الشبكة الغذائية والنظام البيئي.
إن هذا الغطاء الحرجي الذي يتمتع به الوادي، وإنما يدين إلى هذه العناصر مجتمعة: التربة والمياه والمناخ واللواحم، رأس النظم البيئية وحافظة توازنها، فضلاً عن محدودية التدخل البشري والتعديات (بإستثناء الرعي الذي خلف أضراراً غير محددة)، حتى اليوم. خاصة أن هذه الحيوانات اللاحمة جوالة وتحتاج إلى منطقة متصلة من البرية تتخذ منها أوكاراً وتحدد فيها "مناطقها" التي تصل إلى عدة كيلومترات تتحدد وفق توافر الغذاء والطرائد.
ومن بين تلك الحيوانات: الضباع المخططة،الثعالب الحمراء ،النيص، الخنازيرالبرية، الغرير،القطط البرية ، إين آوى الذهبي، الطبسون أو الوبر الصخري وغيرها من الأصناف. بالإضافة إلى عشرات أصناف الطيور منها:الباشق وصقر الشاهين وعقاب أسفع الكبير وأصناف من البوم والحمام البري واليمام بالإضافة إلى الخفافيش على ما سبقت الإشارة.
وفي حال تأكد ما ذكره شهود عن وجود الذئاب في الوادي (لا يمكن تأكيده وإن كان محتمل)، فإن ذلك يجعل وادي زبقين أحد المواقع الفريدة في لبنان التي تتمتع بها النظم البيئية بمستويات أربع، تشكل الذئاب رأسها  Apex predator    . وهي تعد من أغنى النظم البيئية وأكثرها تنوعاً ليس في لبنان وحسب بل في المنطقة والحوض المتوسطي.

لإعلان وادي زبقين محمية طبيعية

اليوم تشكل أحراج وادي زبقين وشعابه، بما تقدم، آخر مواقع التنوع البيولوجي في جبل عامل بعدما إلتهم التمدد العمراني والمخططات غير المستدامة والتعديات على المشاعات والحرائق وحول مساحات شاسعة من الجنوب إلى مناطق جرداء الكامل. بل ان الوادي يشكل بحق الذاكرة البيولوجية لجبل عامل والتي يجدر حمايتها والحفاظ عليها في مقدمة لدراسة مستفيضة لهذا التنوع تفيد حفظه وإعادة توطينه في المناطق الجرداء والمتصحرة من الجنوب والمناطق اللبنانية الأخرى.
اليوم يشكل حماية الوادي وإعلانه محمية طبيعية ضرورة وطنية وبيئية وصحية واقتصادية فضلاً عن أنه في متن السياسات البيئية الزراعية الحافظة للتنوع البيولوجي في لبنان والتي تنص عليها القوانين المرعية الإجراء سواء قانون حماية المناظر والمواقع الطبيعية (٨/٧/١٩٣٩) أو قانون المحافظة على الثروة الحرجية والأحراج (قانون ٨٥ /١٩٩١) وقانون حماية الغابات (٥٥٨ بتاريخ ٢٤/٧/١٩٩٦) وقانون حماية البيئة )444/ 2002 (فضلاً عن أن حمايته هو مسؤولية وطنية وأخلاقية بالدرجة الأولى.
لقد سبق لجمعية الجنوبيون الخضر قد تقدمت بمطالعة مرفقة بإقتراح لدى البلديات المعنية ونواب المنطقة بإعلان الوادي محمية طبيعية وهو ما يفيد حيوية وصحة كامل المحيط ويؤسس لفهم أفضل وأعمق للتنوع البيولوجي لكامل المنطقة ويؤسس لتنمية مستدامة ويطلق لاقتصاديات محلية تفيد من السياحة البيئة والزراعات البيولوجية التي توجه بها الدراسات التي توفرها المحمية ومختبراتها. ويسهم حماية الوادي بفتح الطريق أمام السياحة البيئية التي تعتبر اليوم من بين أكثر قطاعات التنمية المحلية الإنتاجية نماءاً وإستدامة وفائدة للمجتمعات المحلية.

خلاف ذلك، فإن أي حديث عن طريق إسفلت يشق في الوادي ليقرب المسافات بين البلدات والخط الساحلي هو بمثابة الكارثة الطبيعية والبيئية والإقتصادية والتي ستقضي على كل ما ورد أنفاً من خصوصيات تجعل منه أخر مواقع التنوع البيولوجي في جبل عامل فضلاً عن القضاء على فرصة أخيرة للتأسيس لتنمية مستدامة تقوم على حفظ الموارد والإستثمار في نمائها. كما يقضي على فرصة إستعادة هذا التنوع في باقي مناطق الجنوب.


د. هشام يونس
ناشط وباحث
مؤسس ورئيس جمعية الجنوبيون الخضر
** نشرت بالتزامن في كل من مجلة الإعمار والإقتصاد 3/2/2017 
وموقع GreenArea 



[1] Food and Agriculture Organization of the United Nation, 2010, Global Forest Recourses Assessment, 2010.
[2] MOE/UNDP/ECODIT, State and Trends of the Lebanese Environment, 2010.
[3] BCS(1996)- Biodiversity Country Study (MoA/ UNEP/GEF, 1996).
[4] MOE/GEF/UNDP, FNRCBD, 2009, Ministry of Environment-Lebanon. 2009. Fourth National Report of Lebanon to the Convention on Biological Diversity. MOE/GEF/UNDP, July 2009. كذلك: Fifth National Report of Lebanon to the Convention on Biological Diversity. MOE/GEF/UNDP, August 2015.
[5] MoA/UNEP, 1996.
[6] Tohme G. & H., Illustrated Flora of Lebanon, Beirut: CNRS publication,2014. 
[7]  MOE/UNDP/ECODIT,2010.
[8] MOE/GEF/UNDP, Fifth NRLCBD, August 2015.
[9] MOE/UNDP/ECODIT,2010.
[10] MOE/GEF/UNDP, FORTH NRLCBD, July 2009.
[11] MOA (2003). National Action Program to Combat Desertification, Beirut, Lebanon.
MOA/UNEP/GEF, 1996       
[12] MOE/UNDP/ECODIT, State and Trends of the Lebanese Environment, 2010.p.130.
[13] MOE/GEF/UNDP, Fifth NRLCBD, August 2015.p.17.

مقابلة/ رأي : في ظاهرة نفوق السلاحف البحرية في صور | Interview & Insight: Investigating Sea Turtle Deaths in Tyre

 أكد رئيس جمعية "الجنوبيون الخضر" الدكتور هشام يونس  أن “نفوق السلاحف بهذا المعدل، ثلاثة في موقع واحد في فترة قصيرة يعد كبيرا وكارثيا لمحدودية العدد وخصوصية الدور”، ورأى أن “هذا الأمر يستوجب الدراسة والتحقق وهناك عوامل عدة محتملة يحسم بعضها التشريح”. وقال يونس: “الا ان عاملين رئيسيين لطالما لعبا دوراً بنفوق وتراجع أعداد السلاحف، تدهور الموائل نتيجة التعديات على الشواطئ وفي البحر وكذلك التلوث، وكانت النسبة الأكبر من السلاحف التي وثقها المرصد الأخضر (التابع للجمعية) العام الماضي ومن بينها سلحفاة معمرة نجح (الخضر) بإنقاذها وإعادتها الى البحر في الناقورة 22/9/2016 تعود للتلوث نتيجة تناول السلاحف لمخلفات بلاستيكية او وقوعها في شباك الصيادين واختناقها، وهناك عامل التغير المناخي الذي أثر على إرتفاع حرارة سطح الماء وسطح الشاطئ وهو ما خلف، بحسب الدراسات، آثاراً على سلوك السلاحف ونشاطها ومواعيد تعشيشها، كما اسهم في تفاقم بعض الأمراض التي تصيبها”. وأضاف: “يضع هذا الحادث مسؤوليات "رفع كامل التعديات والإنشاءات عنه والتي هي مخالفة للقوانين وتلحق ابلغ الضرر بالنظم البحرية والشاطئية وبالتنوع البيولوجي،



وتأتي السلاحف البحرية في مقدمة قائمة ضحايا هذه الفوضى والتلوث"، وطالب بـ "“الاسراع بوضع المخطط التوجيهي للساحل اللبناني الذي يجب ان يعنى بتدارك هذا الوضع الخطير الذي الى تعديه على الممتلكات العامة يلحق اضرارا كارثية بالتنوع البيولوجي البحري وبالصحة العامة". واشاد يونس “بتعاون وإهتمام بلدية صور وإدارة المحمية بالموضوع وبالإجراءات التي اتخذتها في منع الصيد بالديناميت وملاحقة حالات التعرض للسلاحف البحرية".


Dr. Hicham Younes, President of the "Green South Association," stated that

“The death of sea turtles at this rate—three found in a single location over a short period- is significant and catastrophic, considering the limited population size and the unique ecological role these animals play.”

He emphasised that

“This incident requires investigation and verification, as there are several possible causes, some of which can only be confirmed through necropsy.”

Dr. Younes explained:

“Two main factors have consistently contributed to the mortality and decline in sea turtle populations: the deterioration of habitats due to encroachments on both the beaches and in the sea, and pollution. Most of the cases documented last year by the Green Observatory, including an elderly turtle successfully rescued and returned to the sea in Naqoura on 22/9/2016 by the ‘Green’ team, were attributed to pollution—either due to ingestion of plastic waste or entanglement in fishing nets, which caused suffocation.”

He added:

“Climate change is another factor, as rising surface temperatures of both the water and the beach, according to studies, have impacted turtle behavior, activity, and nesting timelines. It has also contributed to the spread of certain diseases affecting the species.”

“This incident,” he continued,

“places additional responsibility on the government, relevant ministries, and local municipalities to intensify efforts to protect coastal and marine environments.” He called for
“the complete removal of all illegal structures and encroachments, which are not only unlawful but cause severe harm to marine and coastal ecosystems and to biodiversity. Sea turtles are at the top of the list of victims of this chaos and pollution.”

Dr. Younes also urged

“the urgent implementation of a comprehensive master plan for the Lebanese coastline, which must address this alarming situation. Beyond the violations of public maritime property, the ongoing damage is catastrophic to marine biodiversity and public health.”

Finally, he praised

“the cooperation and commitment of the Tyre Municipality and the management of the Tyre Coast Nature Reserve regarding this issue, as well as the measures they have taken to ban dynamite fishing and pursue incidents of harm to sea turtles.”

 


Read more at GreenArea.me: نفوق ثلاث سلاحف بحرية في صور والمحمية تدرس الأسباب http://greenarea.me/?p=201653

http://greenarea.me/ar/201653/%D9%86%D9%81%D9%88%D9%82-%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB-%D8%B3%D9%84%D8%A7%D8%AD%D9%81-%D8%A8%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B5%D9%88%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%AA/

Friday, 23 September 2016

"القطيع الذهبي" مؤشر حيوية البرية اللبنانية "The Golden Pack": A Sign of the Vitality of Lebanon’s Wilderness

(Credit: Sami Diab)


يُعدّ هذا المشهد، الذي التُقط من قبل أحد ناشطي جمعية "الجنوبيون الخضر" في جنوب لبنان خلال صيف عام 2016، لقطيعٍ من بنات آوى الذهبية (خمسة أفراد)، من أبرز المشاهد التي توثّق الحياة البرية في لبنان في السنوات الأخيرة، ولعلها من أندر الصور التي تُظهر هذا العدد من هذه اللواحم في قطيع واحد، وقد أطلقنا عليه اسم "القطيع الذهبي".

ويُشير المشهد إلى غنى البرية اللبنانية وحيويتها، على الرغم من غياب السياسات المستدامة لحمايتها، وعلى الرغم من الضغوط والتحديات المتزايدة، وفي مقدمتها الاعتداءات المستمرة للاحتلال. كما يُظهر هذا المشهد القدرة على التعافي والمرونة التي تتمتع بها النظم البيئية البرية في لبنان إذا ما أُتيحت لها الفرصة، وهي من الركائز الأساسية لأي تنمية مستدامة

This scene, captured by one of the Green Southerners' volunteers in southern Lebanon during the summer of 2016, features a pack of five golden jackals. It stands out as one of the most striking portrayals of Lebanese wildlife in recent years, and is likely among the rarest images to document such a number of these carnivores together in a single pack — a sight we’ve called “The Golden Pack.”

It reflects the richness and vitality of Lebanon’s wilderness, despite the lack of sustainable protection policies and mounting pressures, most notably the ongoing aggression of the occupation. It also underscores the resilience and regenerative capacity of Lebanon’s wild ecosystems when given the opportunity, a core pillar of any truly sustainable development.

مقابلة مع GreenArea: صغار السلاحف البحرية ضحية الأضواء | Interview: Baby Sea Turtles Fall Victim to Artificial Lights

Leatherback hatchlings at night

يعثر مواطنون في هذه الفترة من كل عام على سلاحف بحرية صغيرة ضلت سبيلها إلى الشاطىء، بعضهم يعيدها إلى البحر، أو يتصل بجهات معنية تقوم برعايتها قبل وضعها على الشاطىء قرب الأمواج لتنطلق في رحلة حياتها الجديدة، خصوصا وان هذه السلاحف تكون قد خرجت من البيض حديثا، إلا أن الأضواء حالت دون أن تستهدي إلى البحر بغريزتها، فتتبع الأضواء القريبة المنبعثة ما يحول دون معرفتها لوجهتها المفترضة، أي البحر الذي سيكون عالمها الذي تعيش فيه. في الدول التي ترعى وتهتم بالسلاحف البحرية، هناك مجموعة من الإجراءات والقوانين الصارمة، تحمي صغار السلاحف، لجهة عدم السماح بوجود إنارة قوية على الشواطئ التي تعتبر موئلا لتكاثر السلاحف التي تضع بيوضها على اليابسة، ما يتيح لصغارها الاستدلال بضوء القمر إلى الشواطئ، خصوصا في فترة التزاوج والتكاثر، لكن في لبنان، فقد خسرت السلاحف موائل تعشيشها على امتداد الساحل، ومعظمها صودر خلال الحرب لصالح مشاريع سياحية، فيما نقوم اليوم بطمر البحر، وكل ذلك على حساب ثرواتنا الطبيعية والتنوع الحيوي، ولم يبقَ إلا مواقع قليلة لِتعدَّ وتبني فيها السلاحف البحرية أعشاشها. هذه المشكلة، باتت تهدد الموائل المتبقية، فيما لم تلحظ الجهات المعنية ضرورة إصدار تعاميم تقضي بمنع استخدام الإنارة الكاشفة في فترة تكاثر السلاحف، وما يعثر عليه مواطنون من سلاحف صغيرة ضلت طريقها، يواجهه سلاحف لم تجد من يرعاها ونفقت لأنها لم تعرف سبيلها الى البحر، فضلا عن ممارسات عدة تساهم بدورها في نفوق صغار السلاحف. ومن الإضاءة على هذه المشكلة، التقى موقعنا greenarea.me رئيس جمعية “الجنوبيون الخضر” الدكتور هشام يونس، وكان الحوار الآتي: 

Green Area ما هي المخاطر التي تتهدد السلاحف البحرية بعد الفقس خروجها من البيض والتوجه الى البحر؟
 د. هشام يونس: المخاطر التي تتهدد السلاحف الصغيرة لحظة خروجها من البيض عديدة ومختلفة، وهنا لا بد من الإشارة الى ان التفقيس لا يعقبه مباشرة الخروج من عشها. فالسلاحف الصغيرة تبقى يوما في عشها، وتقتات خلاله على بقايا في البيض قبل ان تخرج في جهد جماعي من العش، وتختار توقيتا وفق حرارة السطح الذي فوقها، وهي عادة تخرج ليلاً حيث درجة الحرارة اقل. خلال الخروج قد تواجهها عوائق عدة ،منها المخلفات أو النفايات التي قد تكون ملقاة على البحر، أو التي قذفها البحر على الشاطئ والتي تحول دون وصولها إلى البحر، ما قد يؤدي بالنهاية الى نفوقها على الشاطئ أو أن تصبح فريسة للسرطانات والطيور أو الكلاب. وليس هذا العامل الوحيد الذي قد ينتهي بالسلاحف الصغيرة الى الموت فحسب، ففي الليل تعتمد السلاحف الصغيرة على انعكاس ضوء القمر على سطح الماء لتحديد مسارها نحو البحر، ومع وجود إنارة متعددة المصادر على الشواطئ، أو تلك الموجهة على الشاطئ تفقد السلاحف قدرتها على التمييز وتضيع في تحديد مسارها نحو الماء، وبالتالي، من الضرورة بمكان التأكد قبيل موسم التعشيش من نظافة الشاطئ وعدم وجود موانع أمام إناث السلاحف للوضع، أو لاحقاً لصغار السلاحف للخروج من العش والوصول إلى الشاطئ.

Green Area: يعثر مواطنون في هذه الفترة على سلاحف صغيرة ضلت طريقها الى الشاطىء بسبب الأضواء الشديدة، وعدم قدرتها على تمييز ضوء القمر الذي يعتبر بوصلتها للبحر كما ذكرت، فكيف يمكن مواجهة هذه المشكلة؟
 د. هشام يونس: من الضروري أن تعمم إرشادات بخصوص إستخدامات الإنارة على الشواطئ الرملية والمناطق المطلة عليها، بالأخص تلك التي تعتبر مواقع نشاط وتعشيش للسلاحف البحرية خلال فترة التعشيش، خصوصا أن الإنارة تربك عملية وضع إناث السلاحف لبيضها وقد تحبطها بالكامل، فضلاً عن إجهاضها لعملية وصول صغار السلاحف إلى البحر وبالتالي نفوقها. من الضروري في هذه الحالة اتخاذ إجراءات لحماية موسم التعشيش من أيار (مايو) ولغاية تشرين الأول (أكتوبر)، قبيل بدء التعشيش، من قبيل: -عدم نشر إنارة على الشواطئ. -عدم توجيه الإنارة باتجاه الشاطئ والإبقاء على الإنارة الموضعية في المناطق المتاخمة للشاطئ أو المطلة عليه. -الإمتناع عن إنارة الأضواء على الشرفات المطلة على الشواطئ الرملية واستخدام الإضاءة الخافتة وغير المرتفعة (يمكن أثناء فترة التعشيش استبدال الإنارة على الشرفات المطلة على الشواطئ باستخدام المصابيح الكهربائية المحمولة والتي يمكن توجيهها إلى أسفل وإخفات ضوئها). -حظر إستخدام الألعاب النارية ليلاً على الشواطئ في موسم التعشيش من أيار (مايو) ولغاية تشرين الأول (أكتوبر). 

Green Area: كيف يمكن أن نوائم بين البيئة والتنمية؟ بين الاستدامة والحفاظ على الطبيعة؟
 د. هشام يونس: في حقيقة الأمر إن السلاحف البحرية وكما سبق أن عرضت في مقالة سابقة منشورة تغني الشاطئ اللبناني وتنميه، ووجودها ونشاطها مؤشر على التنوع البيولوجي وصحته. فالسلاحف الخضراء هي التي تحافظ على صحة السهوب العشبية والتي تشكل موائلا ومصدر غذاء للعديد من الأسماك والعوالق، وتشكل جزءا حيوياً من المنظومة الإيكولوجية البحرية، ومن دون السلاحف التي تعمل على تجديدها من خلال تناول أطرافها تتعرض هذه لفقدان قيمتها الغدائية، وهو ما يضر بكامل المنظومة ويضعف حيويتها وإمكانيتها، وبالتالي تنوعها وغناها، كذلك الأمر مع السلاحف ذات الرأس الضخم والجلدية الظهر في اعتمادها على قناديل البحر في نظامها الغذائي، وبالأخص جلدية الظهر، التي بعكس السلاحف الخضراء وذات الرأس الضخم المستوطنة للسواحل اللبنانية لا تعشش على الحوض المتوسطي ككل، بما في ذلك الساحل اللبناني، فقط تجول في مياهه وتقتات فيه قبل أن تهاجر مسافات طويلة في المحيط للتزاوح والتعشيش، ويسهم إستهلاك السلاحف البحرية بالأخص جلدية الظهر لكميات كبيرة من قناديل البحر إلى حفظ توازن المنظومة الإحيائية، ويحد من تكاثرها والذي يكون على حساب فصائل أخرى حيث تعتمد القناديل على الأسماك الصغيرة والعوالق والتي تشكل عناصر في سلسلة غذائية تشمل اصنافا لا حصر لها من الأسماك. وبالتالي فإن الحفاظ على السلاحف يصب في صلب تنمية الشاطئ اللبناني والحفاظ على تنوعه وغناه، وهو ما يفيد كامل الساحل وحرفة صيد السمك والتي تعتاش منها الاف العائلات، ويوفر فرصة لتطوير قطاعات على صلة بهذه الحرفة، فضلاً عن قطاع مجهول ومهمل بالكامل وهو السياحة البيئة، والقطاعان: صيد السمك والسياحة البيئة يوفران سبلا لتنمية مستدامة للمجتمعات المحلية الساحلية. بالمقابل فإن فقدان السلاحف يشكل كارثة، ويؤدي إلى فقدان أصناف أخرى، فضلاً عن تردٍّ سيصيب الموائل البحرية.

Leatherback hatchlings on Sea Turtles Beach Al- Mansouri- South Lebanon (2014) (Credit: H. Younes)

 Green Area: انطلاقا من تجربتكم، ما هي الخطوات التي ترونها مناسبة لحماية صغار السلاحف؟
 د. هشام يونس: من الضروري أن يبدأ التعامل مع موضوع حفظ الحياة البحرية وكائناتها باعتبارها مسؤولية أخلاقية وثقافية وبيئة، فضلاً عن أنها عامل أساسي في التأسيس لتنمية مستدامة. كما الحيوانات اللاحمة والطيور، فالسلاحف البحرية تواجه اليوم خطر الإنقراض نتيجة غياب الإجراءات الوقائية الرادعة لحمايتها والحفاظ عليها. وفي ما خص صغار السلاحف ندعو إلى ترشيد النظر وتصنيف الشواطئ اللبنانية التي باتت عرضة لكل أشكال التعدي، سواء من خلال البناء عليها خلافاً للقانون أو صب شبكات الصرف الصحي بها أو رمي النفايات، ومؤخراً إستحداث مطامر النفايات عليها خلافاً لاتفاقية برشلونة وبروتوكولاتها المتعلقة بحماية البحر المتوسط والتنوع البيولوجي المتوسطي. ومن الضروري أن تستبق وزارة البيئة والداخلية والتربية والإعلام موسم التعشيش من كل عام يالتوعية على أهمية الحدث من جهة ومن جهة ثانية لاعتماد إجراءات حماية ورعاية للشواطئ اللبنانية التي سبقت الإشارة إليها. كما يفترض أن تتبنى المجالس البلدية الساحلية هذه الإجراءات، فضلاً عن ضرورة أن تضع جميعها تصورات تنموية لشواطئها وتعمل على منع التعدي عليها، وتحافظ عليها وعلى نظافتها سواء كانت مواقع نشاط للسلاحف أو لم تكن . كذلك ينبغي إعادة ترتيب أولويات المخططات التوجيهية المدينية، في ما خص المدن والبلدات الساحلية لتراعي خصوصية هذه الشواطئ كمواقع نشاط للسلاحف البحرية، والنظر إليها باعتبارها التزاما أخلاقيا وبيئيا وثقافيا وتنمويا. لا زلنا نعتقد أن الإجراءات يجب أن تتزامن مع حملات توعية متواصلة حول أهمية الحياة البرية وكائنتها تدخل في مناهجنا وحياتنا اليومية، ومن شأن ذلك أن يسهم في الحفاظ عليها ويحسن من التعامل معها، فأحياناً يلحق الضرر بالسلاحف نتيجة الجهل لكيفية التعامل معها وليس بقصد الأذية، والكثير من الناس معلوماتهم حول السلاحف قليلة، وهذه كانت الغاية من وراء مبادرتنا باقتراح والعمل على يوم وطني للسلاحف البحرية، والذي تحقق ومهد الطريق للتعرف بشكل أفضل على السلاحف وأهميتها وكيفية الحفاظ عليها. 

Green Area: هل ثمة كلمة أخيرة؟ 
د. هشام يونس: بجب التشديد أيضا على إبقاء مرتادي الشاطئ الكلاب على مقربة منهم، ومنعها من دخول الشواطئ الرملية التي تعد مواقع نشاط السلاحف البحرية أثناء موسم العشيش
، فضلاً عن المحميات، التي تشهد نشاطاً اثناء موسم التعشيش، لان الكلاب تشتم رائحة البيض وكذلك السلاحف عن مسافة بعيدة، وقد تقوم بنبش العش غير الظاهر وتأكل البيوض أو صغار السلاحف الموجودة فيه، وايضاً يجب حظر دخول السيارات إلى الشواطئ الرملية والتي من الممكن ان تدمر الأعشاش.

Read more at GreenArea.me: صغار السلاحف ضحية الأضواء… د. هشام يونس لـ GreenArea: تستهدي بضوء القمر لتحديد مسارها نحو البحر http://greenarea.me/?p=172181