Friday, 23 September 2016

"القطيع الذهبي" مؤشر حيوية البرية اللبنانية "The Golden Pack": A Sign of the Vitality of Lebanon’s Wilderness

(Credit: Sami Diab)


يُعدّ هذا المشهد، الذي التُقط من قبل أحد ناشطي جمعية "الجنوبيون الخضر" في جنوب لبنان خلال صيف عام 2016، لقطيعٍ من بنات آوى الذهبية (خمسة أفراد)، من أبرز المشاهد التي توثّق الحياة البرية في لبنان في السنوات الأخيرة، ولعلها من أندر الصور التي تُظهر هذا العدد من هذه اللواحم في قطيع واحد، وقد أطلقنا عليه اسم "القطيع الذهبي".

ويُشير المشهد إلى غنى البرية اللبنانية وحيويتها، على الرغم من غياب السياسات المستدامة لحمايتها، وعلى الرغم من الضغوط والتحديات المتزايدة، وفي مقدمتها الاعتداءات المستمرة للاحتلال. كما يُظهر هذا المشهد القدرة على التعافي والمرونة التي تتمتع بها النظم البيئية البرية في لبنان إذا ما أُتيحت لها الفرصة، وهي من الركائز الأساسية لأي تنمية مستدامة

This scene, captured by one of the Green Southerners' volunteers in southern Lebanon during the summer of 2016, features a pack of five golden jackals. It stands out as one of the most striking portrayals of Lebanese wildlife in recent years, and is likely among the rarest images to document such a number of these carnivores together in a single pack — a sight we’ve called “The Golden Pack.”

It reflects the richness and vitality of Lebanon’s wilderness, despite the lack of sustainable protection policies and mounting pressures, most notably the ongoing aggression of the occupation. It also underscores the resilience and regenerative capacity of Lebanon’s wild ecosystems when given the opportunity, a core pillar of any truly sustainable development.

مقابلة مع GreenArea: صغار السلاحف البحرية ضحية الأضواء | Interview: Baby Sea Turtles Fall Victim to Artificial Lights

Leatherback hatchlings at night

يعثر مواطنون في هذه الفترة من كل عام على سلاحف بحرية صغيرة ضلت سبيلها إلى الشاطىء، بعضهم يعيدها إلى البحر، أو يتصل بجهات معنية تقوم برعايتها قبل وضعها على الشاطىء قرب الأمواج لتنطلق في رحلة حياتها الجديدة، خصوصا وان هذه السلاحف تكون قد خرجت من البيض حديثا، إلا أن الأضواء حالت دون أن تستهدي إلى البحر بغريزتها، فتتبع الأضواء القريبة المنبعثة ما يحول دون معرفتها لوجهتها المفترضة، أي البحر الذي سيكون عالمها الذي تعيش فيه. في الدول التي ترعى وتهتم بالسلاحف البحرية، هناك مجموعة من الإجراءات والقوانين الصارمة، تحمي صغار السلاحف، لجهة عدم السماح بوجود إنارة قوية على الشواطئ التي تعتبر موئلا لتكاثر السلاحف التي تضع بيوضها على اليابسة، ما يتيح لصغارها الاستدلال بضوء القمر إلى الشواطئ، خصوصا في فترة التزاوج والتكاثر، لكن في لبنان، فقد خسرت السلاحف موائل تعشيشها على امتداد الساحل، ومعظمها صودر خلال الحرب لصالح مشاريع سياحية، فيما نقوم اليوم بطمر البحر، وكل ذلك على حساب ثرواتنا الطبيعية والتنوع الحيوي، ولم يبقَ إلا مواقع قليلة لِتعدَّ وتبني فيها السلاحف البحرية أعشاشها. هذه المشكلة، باتت تهدد الموائل المتبقية، فيما لم تلحظ الجهات المعنية ضرورة إصدار تعاميم تقضي بمنع استخدام الإنارة الكاشفة في فترة تكاثر السلاحف، وما يعثر عليه مواطنون من سلاحف صغيرة ضلت طريقها، يواجهه سلاحف لم تجد من يرعاها ونفقت لأنها لم تعرف سبيلها الى البحر، فضلا عن ممارسات عدة تساهم بدورها في نفوق صغار السلاحف. ومن الإضاءة على هذه المشكلة، التقى موقعنا greenarea.me رئيس جمعية “الجنوبيون الخضر” الدكتور هشام يونس، وكان الحوار الآتي: 

Green Area ما هي المخاطر التي تتهدد السلاحف البحرية بعد الفقس خروجها من البيض والتوجه الى البحر؟
 د. هشام يونس: المخاطر التي تتهدد السلاحف الصغيرة لحظة خروجها من البيض عديدة ومختلفة، وهنا لا بد من الإشارة الى ان التفقيس لا يعقبه مباشرة الخروج من عشها. فالسلاحف الصغيرة تبقى يوما في عشها، وتقتات خلاله على بقايا في البيض قبل ان تخرج في جهد جماعي من العش، وتختار توقيتا وفق حرارة السطح الذي فوقها، وهي عادة تخرج ليلاً حيث درجة الحرارة اقل. خلال الخروج قد تواجهها عوائق عدة ،منها المخلفات أو النفايات التي قد تكون ملقاة على البحر، أو التي قذفها البحر على الشاطئ والتي تحول دون وصولها إلى البحر، ما قد يؤدي بالنهاية الى نفوقها على الشاطئ أو أن تصبح فريسة للسرطانات والطيور أو الكلاب. وليس هذا العامل الوحيد الذي قد ينتهي بالسلاحف الصغيرة الى الموت فحسب، ففي الليل تعتمد السلاحف الصغيرة على انعكاس ضوء القمر على سطح الماء لتحديد مسارها نحو البحر، ومع وجود إنارة متعددة المصادر على الشواطئ، أو تلك الموجهة على الشاطئ تفقد السلاحف قدرتها على التمييز وتضيع في تحديد مسارها نحو الماء، وبالتالي، من الضرورة بمكان التأكد قبيل موسم التعشيش من نظافة الشاطئ وعدم وجود موانع أمام إناث السلاحف للوضع، أو لاحقاً لصغار السلاحف للخروج من العش والوصول إلى الشاطئ.

Green Area: يعثر مواطنون في هذه الفترة على سلاحف صغيرة ضلت طريقها الى الشاطىء بسبب الأضواء الشديدة، وعدم قدرتها على تمييز ضوء القمر الذي يعتبر بوصلتها للبحر كما ذكرت، فكيف يمكن مواجهة هذه المشكلة؟
 د. هشام يونس: من الضروري أن تعمم إرشادات بخصوص إستخدامات الإنارة على الشواطئ الرملية والمناطق المطلة عليها، بالأخص تلك التي تعتبر مواقع نشاط وتعشيش للسلاحف البحرية خلال فترة التعشيش، خصوصا أن الإنارة تربك عملية وضع إناث السلاحف لبيضها وقد تحبطها بالكامل، فضلاً عن إجهاضها لعملية وصول صغار السلاحف إلى البحر وبالتالي نفوقها. من الضروري في هذه الحالة اتخاذ إجراءات لحماية موسم التعشيش من أيار (مايو) ولغاية تشرين الأول (أكتوبر)، قبيل بدء التعشيش، من قبيل: -عدم نشر إنارة على الشواطئ. -عدم توجيه الإنارة باتجاه الشاطئ والإبقاء على الإنارة الموضعية في المناطق المتاخمة للشاطئ أو المطلة عليه. -الإمتناع عن إنارة الأضواء على الشرفات المطلة على الشواطئ الرملية واستخدام الإضاءة الخافتة وغير المرتفعة (يمكن أثناء فترة التعشيش استبدال الإنارة على الشرفات المطلة على الشواطئ باستخدام المصابيح الكهربائية المحمولة والتي يمكن توجيهها إلى أسفل وإخفات ضوئها). -حظر إستخدام الألعاب النارية ليلاً على الشواطئ في موسم التعشيش من أيار (مايو) ولغاية تشرين الأول (أكتوبر). 

Green Area: كيف يمكن أن نوائم بين البيئة والتنمية؟ بين الاستدامة والحفاظ على الطبيعة؟
 د. هشام يونس: في حقيقة الأمر إن السلاحف البحرية وكما سبق أن عرضت في مقالة سابقة منشورة تغني الشاطئ اللبناني وتنميه، ووجودها ونشاطها مؤشر على التنوع البيولوجي وصحته. فالسلاحف الخضراء هي التي تحافظ على صحة السهوب العشبية والتي تشكل موائلا ومصدر غذاء للعديد من الأسماك والعوالق، وتشكل جزءا حيوياً من المنظومة الإيكولوجية البحرية، ومن دون السلاحف التي تعمل على تجديدها من خلال تناول أطرافها تتعرض هذه لفقدان قيمتها الغدائية، وهو ما يضر بكامل المنظومة ويضعف حيويتها وإمكانيتها، وبالتالي تنوعها وغناها، كذلك الأمر مع السلاحف ذات الرأس الضخم والجلدية الظهر في اعتمادها على قناديل البحر في نظامها الغذائي، وبالأخص جلدية الظهر، التي بعكس السلاحف الخضراء وذات الرأس الضخم المستوطنة للسواحل اللبنانية لا تعشش على الحوض المتوسطي ككل، بما في ذلك الساحل اللبناني، فقط تجول في مياهه وتقتات فيه قبل أن تهاجر مسافات طويلة في المحيط للتزاوح والتعشيش، ويسهم إستهلاك السلاحف البحرية بالأخص جلدية الظهر لكميات كبيرة من قناديل البحر إلى حفظ توازن المنظومة الإحيائية، ويحد من تكاثرها والذي يكون على حساب فصائل أخرى حيث تعتمد القناديل على الأسماك الصغيرة والعوالق والتي تشكل عناصر في سلسلة غذائية تشمل اصنافا لا حصر لها من الأسماك. وبالتالي فإن الحفاظ على السلاحف يصب في صلب تنمية الشاطئ اللبناني والحفاظ على تنوعه وغناه، وهو ما يفيد كامل الساحل وحرفة صيد السمك والتي تعتاش منها الاف العائلات، ويوفر فرصة لتطوير قطاعات على صلة بهذه الحرفة، فضلاً عن قطاع مجهول ومهمل بالكامل وهو السياحة البيئة، والقطاعان: صيد السمك والسياحة البيئة يوفران سبلا لتنمية مستدامة للمجتمعات المحلية الساحلية. بالمقابل فإن فقدان السلاحف يشكل كارثة، ويؤدي إلى فقدان أصناف أخرى، فضلاً عن تردٍّ سيصيب الموائل البحرية.

Leatherback hatchlings on Sea Turtles Beach Al- Mansouri- South Lebanon (2014) (Credit: H. Younes)

 Green Area: انطلاقا من تجربتكم، ما هي الخطوات التي ترونها مناسبة لحماية صغار السلاحف؟
 د. هشام يونس: من الضروري أن يبدأ التعامل مع موضوع حفظ الحياة البحرية وكائناتها باعتبارها مسؤولية أخلاقية وثقافية وبيئة، فضلاً عن أنها عامل أساسي في التأسيس لتنمية مستدامة. كما الحيوانات اللاحمة والطيور، فالسلاحف البحرية تواجه اليوم خطر الإنقراض نتيجة غياب الإجراءات الوقائية الرادعة لحمايتها والحفاظ عليها. وفي ما خص صغار السلاحف ندعو إلى ترشيد النظر وتصنيف الشواطئ اللبنانية التي باتت عرضة لكل أشكال التعدي، سواء من خلال البناء عليها خلافاً للقانون أو صب شبكات الصرف الصحي بها أو رمي النفايات، ومؤخراً إستحداث مطامر النفايات عليها خلافاً لاتفاقية برشلونة وبروتوكولاتها المتعلقة بحماية البحر المتوسط والتنوع البيولوجي المتوسطي. ومن الضروري أن تستبق وزارة البيئة والداخلية والتربية والإعلام موسم التعشيش من كل عام يالتوعية على أهمية الحدث من جهة ومن جهة ثانية لاعتماد إجراءات حماية ورعاية للشواطئ اللبنانية التي سبقت الإشارة إليها. كما يفترض أن تتبنى المجالس البلدية الساحلية هذه الإجراءات، فضلاً عن ضرورة أن تضع جميعها تصورات تنموية لشواطئها وتعمل على منع التعدي عليها، وتحافظ عليها وعلى نظافتها سواء كانت مواقع نشاط للسلاحف أو لم تكن . كذلك ينبغي إعادة ترتيب أولويات المخططات التوجيهية المدينية، في ما خص المدن والبلدات الساحلية لتراعي خصوصية هذه الشواطئ كمواقع نشاط للسلاحف البحرية، والنظر إليها باعتبارها التزاما أخلاقيا وبيئيا وثقافيا وتنمويا. لا زلنا نعتقد أن الإجراءات يجب أن تتزامن مع حملات توعية متواصلة حول أهمية الحياة البرية وكائنتها تدخل في مناهجنا وحياتنا اليومية، ومن شأن ذلك أن يسهم في الحفاظ عليها ويحسن من التعامل معها، فأحياناً يلحق الضرر بالسلاحف نتيجة الجهل لكيفية التعامل معها وليس بقصد الأذية، والكثير من الناس معلوماتهم حول السلاحف قليلة، وهذه كانت الغاية من وراء مبادرتنا باقتراح والعمل على يوم وطني للسلاحف البحرية، والذي تحقق ومهد الطريق للتعرف بشكل أفضل على السلاحف وأهميتها وكيفية الحفاظ عليها. 

Green Area: هل ثمة كلمة أخيرة؟ 
د. هشام يونس: بجب التشديد أيضا على إبقاء مرتادي الشاطئ الكلاب على مقربة منهم، ومنعها من دخول الشواطئ الرملية التي تعد مواقع نشاط السلاحف البحرية أثناء موسم العشيش
، فضلاً عن المحميات، التي تشهد نشاطاً اثناء موسم التعشيش، لان الكلاب تشتم رائحة البيض وكذلك السلاحف عن مسافة بعيدة، وقد تقوم بنبش العش غير الظاهر وتأكل البيوض أو صغار السلاحف الموجودة فيه، وايضاً يجب حظر دخول السيارات إلى الشواطئ الرملية والتي من الممكن ان تدمر الأعشاش.

Read more at GreenArea.me: صغار السلاحف ضحية الأضواء… د. هشام يونس لـ GreenArea: تستهدي بضوء القمر لتحديد مسارها نحو البحر http://greenarea.me/?p=172181

Tuesday, 17 May 2016

مقابلة/ إستصراح: الجنوبيون الخضر: الدولة اللبنانية مسؤولة عن تدمير شاطئ عدلون | Green Southerners Hold Lebanese Government Accountable for the Destruction of Adloun’s ShoreInterview & Commentary :


أسبوع مضى على بدء عملية تدمير شاطئ عدلون (قضاء صيدا) بعدما تقرر تنفيذ مشروع "المرفأ" الذي أعلن وزير الأشغال العامة والنقل غازي زعيتر عن انطلاق العمل به في زيارة قام بها بتاريخ 9/1/2016بمرافقة مدير عام النقل عبد الحفيظ القيسي.

"ميناء دولة الرئيس الاستاذ نبيه البحري للصيادين وللنزهة" هو المشروع الذي رصدت له وزارة الأشغال العامة والنقل مبلغ ناهز الـ 7.3مليار ليرة في منطقة تفتقر بحسب أبنائها للبنى التحتية. أما العنوان العريض فهو تقديم خدمة لصيادي عدلون ولانماءها علماً أن أبعد مرفأ عن المدينة يبعد مسافة خمسة كيلوميترات لا أكثر وأن عدد الصياديين في المدينة وبحسب اهاليها لا يتجاوز الـ15صياد قسم منهم لا يزاول مهنة الصيد بشكل  منتظم.

اذاً حضر زعيتر و"بارك" بدء العمل بالمشروع، قائلاً:"بعد استكمال كل النقاط القانونية فيما يتعلق بتلزيم المشروع وامر المباشرة ومكتب الاستشاري. وقد حاول البعض العرقلة لكن نحن نعمل تحت سقف القانون وبالنهاية ينتصر القانون وينتصر حق الشعب في الحياة". على ان حرص زعيتر على احترام القانون ومباركة القانون غاب عنه ضرورة احترام الخصوصيات البيئية والتاريخية والأثرية للشاطئ الذي سيقام عليه المشروع والذي يفرض اجراء مسح للمكان وتقييم للأثر البيئي فيه وهو الأمر الذي لم تكترث له الوزارة.

منذ أواخر العام 2014بدأت جمعية "الجنوبيون الخضر"(هي حركة اجتماعية بيئية، تراثية وثقافية مدنية) بالتحرك لحماية الشاطئ واعلانه محمية طبيعية واثرية ورفض اية أعمال قد تلحق الضرر بخصوصيته. على صفحتهم على موقع فايسبوك، رفع "الجنوبيون الخضر" عريضة تشرح الأسباب الموجبة التي تدفع بالعديد من الجمعيات الأهلية وهيئات المجتمع المدني الى السعي للمحافظة على شاطئ عدلون وإعلانه محمية بيئية وأثرية. حيث "يشكل شاطئ بلدة عدلون موقعاً تاريخياً وبيئياً فريداً على الحوض المتوسطي. ويعود تاريخ البلدة إلى عصور ما قبل التاريخ. حيث دلت الحفريات وكهوف البلدة أنها واحدة من أقدم مواقع الإستقرار البشري في المنطقة ولحقب طويلة.

ويعدّ الشاطئ بتضاريسه جزءاً من موقع أوسع ضم أثار مدينة "مآروبو الفينيقية" ومرافئها الثلاثة التي كانت قائمة على خلجانها الطبيعية الصخرية. كما يضم العديد من المواقع والآثار الظاهرة؛ التي تتضمن آثار المرافئ الفينيقية وأحواضاً صخرية مفتوحة على البحر وأخرى مقفلة بالإضافة إلى ملاحات بقيت مستخدمة من قبل أهالي البلدة حتى أواخر سبعينيات القرن الماضي وتشكل، كما الشاطئ، جزءاً من ذاكرتهم الجماعية.

بالإضافة إلى غناه الأثري، بإعتباره موقع المدينة القديمة ومرافئها، ويشكل الشاطئ بتنوع تضاريسه الصخرية والرملية وتدرّج أعماقه، موقعاً إيكولوجياً غنياً ومتنوعاً سواءً على اليابسة أو في البحر".

في مقابل هذه الخصائص كان مدير عام النقل عبد الحفيظ القيسي قد شرح خلال مرافقته للوزير زعيتر في زيارته للمكان مضمون المشروع الذي تمّ تلزيمه الى شركة خوري للمقاولات بقيمة 7.3مليار ليرة لبنانية ستدفع من ضمن الموازنة العامة لوزارة الأشغال العامة والنقل. فقال: "ان المشروع عبارة عن مرفأ للصيادين والنزهة ويتضمن انشاء "سنسول" حماية رئيس بطول 600متر و"سنسول" حماية سانوي بطول 240متر وأحواض مائية يتراوح العمق فيها ما بين مترين ونصف وهي أحواض لمراكب الصيادين الى خمسة أمتار التي هي أحواض لمراكب النزهة. اضافة الى كل الخدمات التي تقدم للصيادين من غرف للحفاظ على الشباك وتجهيزاتهم ومركز للتعاونية وسوق لسمك ومركز صيانة المراكب. والى جانب المرفأ سيكون هناك وعلى مسافة 50ألف متر مربع مسبح مجاني للعموم وستكون الخدمات فيه مؤمنة مجاناً والدخول اليه مجاناً".

وفي حديث مع "المفكرة القانونية" يشرح رئيس جمعية "الجنوبيون الخضر" الدكتور هشام يونس الأضرار التي سيخلفها هذا المشروع بالنسبة للمنطقة معتبراً الاّ مسوغ جدي ومقنع لتنفيذه سوى مصالح خاصة ستجلب الدمار للمكان. وقال:" ان المرفأ سيقام على قسم أساسي من واجهة عدلون البحرية التاريخية بما فيها تلك المواجهة لكهوفها ما قبل التاريخية ( قرابة 300متر). وهي تشكل، وفقاً لخلاصة أبحاث العالمين غودفري زوموفن ومن بعده دورثي غارود، اللذين لهما تعود أهم التنقيبات والأبحاث المنشورة حول عدلون، موقعاً تاريخياً مترابطاً".

وتابع:" يقوم المشروع بالكامل على مساحة من المقدر أن تتجاوز المئة ألف متر مربع من الممتلكات العامة البحرية نصفها يشكله الشاطئ والنصف الآخر من خلال عملية ردم البحر، من دون أي وازع قانوني. إن أعمال الردم الواسعة التي سيتضمنها المشروع ستلحق أضراراً بليغة بالتنوع البيولوجي للشاطئ العدلوني. وهو ما سيكون له، بعكس مزاعم المشروع، تداعيات سلبية على حرفة صيد الأسماك في كامل المنطقة. كما من شأن عملية الردم هذه أن تؤدي إلى تدمير موائل السلاحف البحرية التي لا زالت تتواجد في محيط الموقع وتعشعش على شطآنه وهو ما سيؤدي إلى اختلال إضافي في النظام البيئي للمحيط والذي تلعب السلاحف البحرية فيه دوراً حيويا".

أضاف: "هم يقولون انهم سيفيدون صيادي الاسماك ولكن هذا غير صحيح لأنهم سيقومون بتدمير نحو 50ألف متر مربع من البحر. يعني يصبح لدينا تدمير نحو 100ألف متر مربع ما يعني تدمير كامل للشاطئ. ناهيك عن ان تدمير مصائد الاسماك والتلوث الناجم عنها لن يدمر عدلون وحسب وانما سيطال الشاطئ. هذا فضلا عن اننا نتكلم عن مرفأ بضخامة تسع أحواض تتسع لنحو 400مرسى و"سنسولي" حماية وهي مقاييس تتجاوز مقاييس مرفأ صور أو صيدا حجماً، في بلدة تفتقد إلى البنية التحتية المناسبة وتعاني ومواقعها التاريخية والبيئية إهمالاً مزمنا".

ومن الناحية القانونية لفت يونس الى انه لا يحق للشركة الملتزمة بتنفيذ المشروع المباشرة بالعمل ذلك ان "الجنوبيون الخضر" كانت قد رفعت كتاب الى وزارة البيئة في 22كانون الاول 2014وآخر الى وزارة الثقافة في آذار 2015من أجل التدخل لوضع حد لهذه الجريمة. وقد طالبوا بإعلان شاطئ عدلون محمية طبيعية وأثرية، وإتخاذ كل ما يلزم للحفاظ عليه متنفساً للجوار. وقد تحدث يونس في 14كانون الثاني 2016مع لارا سماحة مديرة النظم الايكولوجية في وزارة البيئة حول الموضوع كما تقدمنا كجمعية الى وزارة البيئة بكتاب نطلب فيه التدخل السريع لوقف الاعمال في المكان.

وأضاف: "كما أرسلنا الى وزارة الثقافة كتاباً اول في 3/9/2015وبدوره أرسل مدير عام وزارة الثقافة في 15/9/2015كتاباً الى وزارة الاشغال العامة يطلب فيه كل الخرائط مع ضرورة إجراء مسح قبل البدء بأي عمل في المكان، لأنه موقع أثري. لكنه لم يلقَ جواباً. وبتاريخ 5كانون الثاني 2016، كنت في اجتماع مع المدير العام وأرسل كتاب ثاني بحضوري وقد علمت بعد حوالي عشرة ايام انه لم يأتِ رد على الكتاب الثاني. وهذا يعني انهم لم ينالوا موافقة لا وزارة الثقافة ولا وزارة البيئة ولكن بالمقابل يقولون ان لديهم موافقة من قبل وزارة الثقافة ووزارة البيئة وبهذه الحجة يحاولون اسكات اهالي عدلون".

ولفت يونس الى انه"كان هناك تعتيماً كاملاً حول الموضوع قبل ان تعرف الجمعية به. وقد التقيت برئيس بلدية عدلون وطلبت تأجيله الى حين القيام بمسح ودراسة للأثر البيئي. فأخبرني ان العمل عليه بدأ منذ ثلاث سنوات وحضروا له موازنة ضخمة. فاذا كان مرفقاً عاماً ولصالح أهالي البلد لماذا هذه السرية؟ لأنه ببساطة هناك أمور أخرى مرتبطة فيه، منها أنه في أثناء العمل عليه كان يجري العمل على التصنيف العقاري للعقارات المتاخمة للمشروع والتي هي مناطق زراعية تجعل من عدلون دوحة خضراء. لكن تمّ تعديل تصنيف قسماً كبيراً منها لتصبح سياحية وتجارية. 

وختم قائلاً:"يعرف المعنيون بالمشروع منذ البداية انهم يدمرون موقعاً اثرياً وبيئياً فريداً لذلك لم يقدموا تقييماً للأثر البيئي، ولذلك تجاوزوا موافقة وزارتي الثقافة والبيئة ولذلك لا زالوا يتجاهلون تقديم اي معطيات مطلوبة للوزارتين بل يدعون بأنهم نالوا الموافقة امام أهالي عدلون. ان الحكومة اللبنانية مجتمعة مسؤولة عن حماية عدلون التي بدأت وزارة الأشغال تدمير واجهاتها وآثارها وردم بحرها ضاربة بعرض الحائط كل القوانين التي تحفظ الموقع لخصوصيته التاريخية والأثرية والبيئية لصالح مرفأ "يخوت".

وتزامناً مع تحركات الجمعيات البيئية في المنطقة انطلقت حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي شعارها هاشتاغ  #انقذوا_عدلون وقد لاقت انتشاراً واسعاً بين النشاطين وذلك للاضاءة حول القضية وتشكيل أكبر قوة ضغط ممكن لانقاذ المنطقة قبل تدميرها وحتى لا يكون مصيرها كما حال دالية الروشة. كما اعد "الجنوبيون الخضر" عريضة يطالبون بها بإنقاذ شاطئ عدلون.

 

رانيا حمزة، المفكرة القانونية

21 يناير /كانون أول  2016 

الرابط: 

https://shorturl.at/CIetz

Wednesday, 11 May 2016

When you start killing wolves, something odd happens

Grey Wolf (Canis lupus) (Credit: Hisham Younes )
As the cold early spring sun began to shine between the trees, the only sound heard for miles around was the gentle rustling of leaves in the bone-chilling breeze. But faintly, in the distance, the galloping of footsteps began to thunder through the forest. The wolf pack darted between the conifers on the trail of a deer. Suddenly, a deafening explosion echoed through the woods, and a wolf at the rear of the pack yelped and dropped to the floor. A poacher had shot it dead.

Such illegal killings are thought to be relatively common in the US. However, because poaching is illegal, we do not have a firm grasp on how often this illicit behaviour really goes on.Conservationists have previously thought that poaching subsides if either legal culling by government officials, or trophy hunting, is allowed. The idea is that these legal forms of killing can make local people more tolerant of the wildlife they live with, reducing their urge to illegally kill animals. However, until now nobody has ever tested this assumption.

Guillaume Chapron of the Swedish University of Agricultural Sciences and Adrian Treves of the University of Wisconsin-Madison decided to find out whether legal killing really does reduce poaching. They looked at 12 changes in wolf protection laws in Wisconsin and Michigan between 1995 and 2012, and tracked how the wolf population was affected.

During this timeframe, there were six periods when the law completely protected wolves, and six periods in which the government could legally cull them. Culling was used to eliminate wolves suspected of attacking livestock or that were perceived as threats to human safety, even though there is no record of a human ever being attacked by a wild wolf in Wisconsin or Michigan. They found that, while the wolf population did continue to grow throughout the study, when culling was allowed the growth was slowed by one-third.

The decrease in population growth could not have been solely due to the legal killing, because the number of wolves culled was included in their calculations. They also excluded other factors, such as wolves leaving the area. That left poaching as the only explanation for the reduction in growth. Their findings have been published in the journal Proceedings of the Royal Society B.

The idea that "allowing hunting will increase tolerance and consequently decrease poaching" is "one of the most widespread assumptions in large carnivore management," says José Vicente López-Bao of Oviedo University in Spain. "However, these authors show the opposite."Treves offers a possible explanation. "If poachers see the government killing a protected species, they may say to themselves, 'well I can do that too'," he says. In other words, allowing culling may send a signal to the public that killing wolves is acceptable, or that anti-poaching laws will not be enforced.

Chapron contends that "hunting of large carnivores in general, including trophy hunting, has problems with trust and the invalid or corrupted justification it is based on". Concerns over hunting are not new. In 2015 there was an outcry over the illegal killing of Cecil the lion in Zimbabwe, which caused a widespread push to get trophy hunting banned. The new study further questions the supposed conservation value of legally killing animals.

Chapron and Treves believe that it is a mistake to allow legal culling of wolves, if the intention is to make local people more tolerant of them. In fact, a 2014 study found evidence that people's attitudes towards wolves became more negative when culling was legalised, which suggests that culling is not the answer. To combat the decline in wildlife caused by poaching, Chapron feels that we need to focus more on enforcing the law. "You do not reduce looting by allowing shop-lifting, but instead by having zero tolerance," he says.

As human populations continue to grow and we expand further into wilderness areas, we will have to find better ways to coexist with wildlife: particularly those that threaten our livelihoods or even our lives. Chapron feels that the problem, and therefore solution, lies with us. "Wolves are quite adaptable to humans," he says. "The question is whether humans are adaptable to wolves." Whilst killing an animal perceived as a threat may seem like an easy solution, it may not prove the most effective in the long-term. In fact, a study published in 2014 suggested that wolf culls can backfire in the short term by increasing the frequency of wolves killing livestock. "Our results undermine the justifications used to kill wildlife," says Treves. "Therefore, more broadly, predator control as a government policy needs to be scrutinised."

 Niki Rust, BBC Earth
11 May 2016

Thursday, 3 March 2016

بين حفظ السلاحف البحرية وحماية الذئاب، كيفية حفظ وإستعادة الحياة البرية في لبنان ( النص الكامل)


يُعدّ مفهوم استرجاع الحياة البرية، خلاصة تجربة وبحث وصل إليه الكثير من الناشطين والخبراء البيئيين حول العالم، من فكرة حفظ التنوع البيولوجي إلى استعادته بمعنى ترميم المنظومات الإيكولوجية وإعادة العناصر التي فقدتها نتيجة للنشاط البشري.
ولعل أول عرضٍ للمفهوم الذي أطلقه الناشط البيئي الأميركي وأحد مؤسسي حركة الأرض أولاً Earth First دايف فورمان في آخر سبعينيات القرن الماضي، كان في مقالة مايكل سولاي وريد نوس المشتركة المنشورة في العام 1998 والتي قدّمت للمفهوم خارج إطار الفهم التقليدي لحفظ الحياة البرية القائم على حفظ التنوع البيولوجي الذي يرتكز على موضوعي التنوع النباتي وحماية العناصر الحيوية الأخرى (حيوانات، طيور، أسماك..) وحسب، إلى استعادة بريّة الأرض من خلال ثلاثة عناصر: تأمين المساحات البرية الواسعة، تأمين التواصل بين المساحات البرية المنتشرة في المناطق، وضرورة حفظ دور الحيوانات اللاحمة الكبيرة وإعادة توطين ما فُقد منها من فصائل في النظم المستهدفة.

في عرضهما يخلص سولاي ونوس إلى أن المفهومين؛ "حفظ التنوع" و"استعادة الحياة البرية" متممان لبعضهما بعضاً. ففي سياق عملية استعادة الحياة البرية أو بريّة الأرض، لا بدّ من الحيوانات المفترسة التي تلعب دوراً أساسياً في هيكلية السلسلة الغذائية للنظم الايكولوجية. والتي يكفل وجودها، دون غيرها من الفصائل، بتأمين التوازن للحياة البرية وهو ما يضمن تنوعها واستمراريتها. وهو ما اصطلح عليه "تأثير باين" نسبة لروبرت باين الذي تناول دور الحيوانات اللاحمة كـفصائل أساسية  Keystone species) )في حفظ وتنسيق التنوع والتوازن البيولوجي للحياة البرية من أعلى إلى أسفل، ويأتي في أعلى "السلسلة الغذائية" الحيوانات المفترسة. ولذلك فإن فقدان أعلى السلسلة يؤدي إلى إرباك كامل المنظومة وتجاوز فصائل حية لفصائل أخرى حيوانية أو نباتية. ولعل هذا يفسر حماسة العديد من المنظمات البيئية التي تعنى بالحيوانات النباتية والتي تندرج ضمن السلسلة الغذائية للحيوانات اللاحمة (الغزلان، الخنازير البرية، أصناف القوارض.. على سبيل المثال)، حيث تواجه العديد من المحميات الطبيعية، والتي لا توجد فيها حيوانات لاحمة أو ليس بشكل متكافئ، مشكلة حيال تزايد أعداد فصائل حيوانية على أخرى بحيث تخرج عن السيطرة ويؤدي ذلك إلى تراجع حيوية النظام الإيكولوجي وأحياناً كثيرة ضموره تباعاً. وهو ما وضع إدارة تلك المحميات والمنظمات الراعية أمام معضلة أخلاقية وبيئية في آن؛ وهي كيفية التعامل مع الأعداد المتزايدة من فصائل دون أخرى أو كيفية تحديد نسب "توازنها" ضمن البنية الإيكولوجية ككل بالمقام الأول. وبخلاصة التجربة والدراسة خلُص إلى أن أنجع الطرق هي باستعادة الحيوانات اللاحمة التي تنتمي لتلك النظم والتي سبق أن فقدتها نتيجة النشاط البشري.

وينطلق المفهوم من غايات ثلاث: أخلاقية، وعلمية، وجمالية. الأولى تجد مسؤولية إنسانية حيال الضرر المتواصل الذي يتسبب به الإنسان للبيئة من حوله ويوجب عليه تحمل مسؤوليته الأخلاقية في إرجاع الأمور إلى سابق عهدها. والثاني حفظاً للمنظومة الإحيائية واستعادة لما فقدته من خلال إعادة توطين كائنات أو نباتات فقدتها خلال تاريخ ط

ويل من اختلال المنظومات نتيجة للتعديات والنشاط البشري، ومنحها مساحات برية مفتوحة على بعضها. والثالثة العنصر الجمالي، فبرية المناطق لا تتحدّد إلا بروحها وهو ما تحققه الحيوانات اللاحمة التي تمنح النظم الإيكولوجية التوازن من جهة والروح من جهة أخرى.


البريّة كطور أول

لم يعد مفهوم حفظ التنوّع البيولوجي معنياً بالحفاظ على المتبقي من بقاع خضراء أو حرجية محدّدة بما فيها من عناصر حية أو إطلاق سراح الحيوانات البرية المحتجزة وإعادتها إلى مواطنها وحسب. وإنما وفي سبيل تحقيق حفظ التنوع واستمرارية الحياة البرية لا بدّ من تأمين عناصر «هندستها الجينية» وهو ما يتحصل بالتوازن، وذاك هو بناء السلسلة الغذائية بدءاً من العقد الأعلى ونزولاً إلى باقي عناصر السلسلة. والتي تتغيّر وتتمايز من منظومة ايكولوجية إلى أخرى وحتى ضمن المنظومة الواحدة في مسارها التاريخي.
فالحيوان اللاحم في أعلى السلم الغذائي قد يكون ذئباً في لبنان وأسداً في غابات غينيا أو قد يكون دباً في لبنان منذ 40 ألف عام واليوم هو ذئبٌ في توارث الفصائل والأدوار في المنظومات الأحيائية (Succession) ويتحدد ذلك بدراسة النظم وعناصرها وتاريخها. وقد يكون لاحماً مفترساً في بلد ونباتي في بلد آخر، كما كان الحال في العصر الجليدي حيث شكل الماموث رأس النظام الإيكولوجي لحقبة طويلة وفي أماكن شاسعة من شمال الكوكب. وما ينطبق على البر ينطبق على البحر ومنظوماته والموائل.

وفي حين يستوجب ذلك دراسة معمّقة للمناطق المستهدفة وخصوصياتها ونظمها وتاريخها الايكولوجي فإن تطبيق ذلك يجب أن يُترك للطبيعة عينها. لعل هذه الإضافة الأهم التي عمل عليها الروائي والناشط جورج مونبيوت في أهم الكتب المتناولة للموضوع اليوم Feral: Rewilding the Land, Sea and Human Life الصادر في 2013 الذي يؤرخ للمفهوم وتطوره. يدعو مونبيوت إلى عدم التدخل في «إدارة» المناطق البرية على ما تفترض المنظمات والمؤسسات البيئية التي تسعى للحفاظ على المناطق البرية بل أن يترك للحياة البرية فعل ذلك وللمنظومات أن تواصل مسيرها الذي انقطع بفعل التعديات البشرية وهي، أي المنظومات الإيكولوجية، بعناصرها الحيوية المتنوعة كفيلة بذلك. جُلّ ما يمكن فعله من طرفنا هو أن نُعيد عناصرها التي فقدتها بتعدّينا عليها سواء كانت حيوانية أو نباتية وفي بعض الحالات إبعاد الفصائل الغريبة التي دخلت على تلك المنظومات من خارج العملية الطبيعية والتي يصعب التحكم بها في سياق العملية الطبيعية المُستأنفة وعدم التدخل بعد ذلك لنترك لها أن تواصل ما كانت تقوم به منذ ملايين السنين بانسجام كامل وكانت تجد دائماً طريقة تتأقلم فيه مع بعضها بعضاً وتتطور وتستمر كحياة برية في انسجام تام. وبإمكاننا كذلك أن نمنح أنفسنا فرصة لنكون برييّن، إذا جاز التعبير، أن نسعى أن نكون جزءاً من ذلك الانسجام محبين للطبيعة كما هي وليس كما نريدها أو اعتدنا على صورتها «المرتّبة» والمنسقة وكأنها حدائقنا الخاصة أو العامة و «ليس الغاية في ذلك أن نحب أنفسنا أقل بل أن نحب الطبيعة أكثر»، أن ندع لها أن تقرر لا أن نحدد لها وهي كفيلة بنفسها بل وبنا كذلك، خاصة مع تداعيات الاستهلاك المتوحش للموارد الطبيعية والتحديات المصيرية التي يواجهها الإنسان نتيجة لذلك من قبيل الاحتباس الحراري والتغيّر المناخي وهي تحديات باتت تستوجب خطوات وسياسات راديكالية على أكثر من مستوى.

ويوجّه مونبيوت نقداً لاذعاً للحركات والمنظمات البيئية التقليدية التي تمارس عملية حفظ التنوع البيولوجي وكأنها تتعاطى مع معادلات محددة جامدة. فبالنسبة له فإن عملية استرجاع الحياة البرية لا تحمل نقاطاً نهائية، فهي ليست خطة تُدار والحياة البرية ليست حديقة عامة نتدخل فيها لنحدد الشكل وأنواع الأشجار والحيوانات التي ينبغي أن تكون فيها. هي عملياً الحياة الذاتية للطبيعة والتي لا تحتمل تقديراتنا التي نضعها لنحدد لها أهدافاً فيما نحن نغفل عن كثير من خصوصياتها وعلاقات عناصرها المتعددة مع بعضها بعضاً التي قد لا نقدرها تماماً.



هل الاسترجاع ممكن؟

تواجه الحياة البرية في لبنان تحديات جدّية لعل أهمها غياب أي خطة تلحظ حفظ أو استرجاع الحياة البرية في مناطق عدة من لبنان فقدتها وأخرى في طريقها إلى ذلك، فيما تتواصل أعمال التعدّي على المناطق البرية سواء بالمشاريع العامة أو الخاصة. وبالإضافة إلى غياب الخطة، فإن أسس بنائها غير متاحة حيث لا تصنيف كاملاً وحقيقياً للحياة البرية في لبنان ومناطقها باستثناء معلومات تتفاوت مستوياتها لأربع عشرة محمية وعدد آخر من الحمى منتشرة حول لبنان.
وتلتبس لدى العديد المفاهيم، حيث ترتبط في أذهان الناس الحياة البرية بالمساحات الخضراء حصراً، علماً أنه من الممكن كثيراً أن تكون بعض قفار الهرمل أو منحدرات جبل الشيخ (على سبيل المثال لا الحصر) تتمتع بمستويات أغنى في الحياة البرية عن بعض الأحراج بفعل النشاط البشري حيث باتت منتزهات مفتوحة من دون أي معايير أو قيود، بحيث لم يبقَ في بعضها أي أثر للحيوانات على أنواعها. كما أدّى القتل العشوائي لغرض التسلية والصيد لكل أشكال الحياة في البرية (على الرغم من صدور نظام الصيد البري 2004) أو البحر وكذلك الطيور المقيمة والمهاجرة على حدٍ سواء، على الرغم من قرارات حظر الصيد، إلى كارثة بيئية لم يعِ اللبنانيون حجمها بعد لغياب دراسات تقييم الأثر البيئي.
إن العمل لحفظ الحياة البرية في لبنان واسترجاعها (rewilding) في مناطقه يتطلب سياسات تعي مفهوم الحياة البرية وتقف عند تحدياتها في كل تفصيل أولاً، وتضعها أولوية على مختلف المستويات والمشاريع. وكذلك قرارات جذرية وهو ما يتطلب بنية بحثية وهيئة تخطيط بيئي وآلية تنفيذ مرنة للقرارات والخطط. وباعتبار وزارة البيئة هي الهيئة التي تعنى بالبيئة في لبنان بموجب القانون 217/1993 ولاحقاً قانون 690/2005. فإن أي خطة جدية تتطلب البدء بتطوير بنية الوزارة على المستوى الفني والإداري والتنفيذي فضلاً عن الصلاحيات للوصول إلى حوكمة بيئية.


شروط الاستعادة
مسح وتصنيف التنوع البيولوجي للحياة البرية في لبنان والمناطق ووضع خارطة بيولوجية للحياة البرية في لبنان وكائناتها. 

  • يؤسس التصنيف لوضع بُنية السلسلة الغذائية للمنظومات الإيكولوجية للحياة البرية في لبنان الحالية وأنساقها التاريخية، وتحديد رأس تلك السلسلة والحيوانات اللاحمة أو النباتية فيها التي لا زالت متواجدة ومهددة بالانقراض أو تلك التي انقرضت. وهو ما ينطبق على موقع السلاحف البحرية في بعض النظم القائمة في المناطق البحرية من الساحل اللبناني.
  •  تحديد الحيوانات التي تشكل «حجر العقد» فيها التي قد تكون لاحمة أو نباتية، بحرية أو برية.. وإيلاء هذه الحيوانات رعاية خاصة في سبيل إعادة ترميم المنظومة الإيكولوجية من خلال وضع قوانين صارمة لحمايتها.
  • حظر الأماكن البرية (غير الخضراء أو الحرجية العامة) على كل أشكال النشاط البشري لفترة لا تقل عن خمس سنوات.
  •  تأمين التواصل بين المناطق البرية.
  •  إعادة تصنيف الأماكن الحرجية المفتوحة والقريبة من أماكن حرجية برية واعتبارها امتداداً لها.
  •  وقف اعتماد الطرق العرضية بين القرى إلا في حالات الضرورة وليس لاعتبار تسهيل التواصل وحسب، لما في ذلك من قطع أوصال البرية وهو ما يجعل فرص استعادة الحياة البرية استقلاليتها ممكنة.
  •  اعتماد سياسة تحريج رشيدة تأخذ بعين الاعتبار الدراسة التي سبق التطرق إليها من تحديد التنوّع البيولوجي للحياة البرية في لبنان الحالية ومسارها مما يوفر للعناصر الحية سلسلتها الغذائية وبيئة نموّها وتكاثرها.
  • إعادة النظر بسياسة السدود التي لا تعير الحياة البرية أهمية خاصة. حيث يقوم بعض أهم السدود المقترحة في مناطق تشكل أفضل نماذج الحياة البرية في لبنان (وادي جنة..).
  • إنشاء صندوق وطني لاستملاك المناطق البرية والحرجية المملوكة والتي يتراجع عددها بشكل مُطّرد.
  •  إعادة النظر في التصنيف العقاري في المناطق سواء تلك المحاذية للشاطئ أو تلك القائمة في مناطق حرجية إلى «زراعي» ريثما يتم استملاكها.


في السياق..
المطلوب في المرحلة الراهنة حفظ التنوع الموجود بعد تحديده بناءً على المسح والتصنيف. وفي هذا المسعى قد يكون من الضروري إعادة توطين بعض الحيوانات ومنها المفترسة.
  • العمل على إجراءات جذرية لردع التعديات الكارثية على تلك الحيوانات ومناطق الحياة البرية التي تحاصرها تلك التعديات.
  • إطلاق سراح تلك الحيوانات التي ما زالت في أقفاص في أكثر من منطقة لبنانية عرضة للأذى مهما اختلفت العناوين. وإقفال ما يُسمّى حدائق الحيوانات التي لا تراعى فيها القاعدة البسيطة لحاجة هذه الكائنات لحريتها في البرية، فضلاً عن غياب المعايير الصحية والبيئة السليمة لتلك المشاريع التجارية الطابع. ويمكن في مرحلة لاحقة النظر في شكل مختلف للتعرف على تلك الحيوانات بعد إطلاق سراحها من الأقفاص بل في أماكن مفتوحة فيحظى الناس بفرصة للتعرّف عليها من دون الاحتكاك بها؛ وهناك نماذج ناجحة في أكثر من بلد.
  • إعادة توطين بعض تلك الحيوانات مثل الغزلان والضباع في بعض المناطق بعد استيفاء الدراسة، وفي خطوة لاحقة وبعد دراسة مستفيضة وبعد توفير ما سبقت الإشارة إليه لفتح المناطق الحرجية على بعضها وتحديدها. ربما نخلص إلى إعادة توطين الذئاب وهو ما من شأنه إطلاق حيوية كبيرة في الحياة البرية بعيداً عن الأساطير الشائعة حول خطر الضباع والذئاب. مع العلم أنه لم تُسجّل إلى يوم وطوال القرن الماضي، أية حالة اعتداء من ضبع أو ذئب، فيما تسجل سنوياً حالات قتل متزايدة للضباع ولا يُعرف العدد المتبقي منها؛ علماً أن الضباع والذئاب تلعب دور "حجر العقد" في المنظومات الإيكولوجية على ما سبقت الإشارة في تنظيم أعداد الخنازير البرية التي تزايدت الشكوى حول تكاثرها، وهو أمر غير مستغرَب، بالنظر إلى تزايد حالات قتل الضباع.
  • إن استعادة الحياة البرية سيفتح آفاقاً كبيرة على موضوع التنمية المستدامة للمناطق، وبالأخص الريفية فضلاً عن أداء دورنا في المسؤولية الإنسانية تجاه الحياة البرية ككل للكوكب الذي يعاني جراء الجشع البشري.


هشام يونس 
ناشط وأكاديمي
نشرت في جريدة السفير
24/03/2015