Tuesday, 20 February 2018

مقالة: الجدار الإسرائيلي يستكمل تدمير بيئة المنطقة | Article: Barrier of Extinction: How Israel’s Separation Wall Threatens Biodiversity on Both Sides




تتشكل منطقة الجنوب اللبناني من هضبة تمتد من جنوبي السلسلة الغربية شمالاً إلى الجليل الأعلى في فلسطين جنوباً ومن منحدرات حرمون شرقاً إلى الساحل غرباً. وتتصل هذه الهضبة التي تضم تلال عاملة ووادي التيم بتلال الجليل الأعلى الواقعة في فلسطين، المتماثلة في التضاريس ومعدلات الارتفاع (٥٠٠-٧٠٠ متر فوق سطح البحر) والمتداخلة معها. ويعيد مؤرخون حدود الجليل الأعلى إلى نهر الليطاني شمالاً، وفي ذلك إشارة إلى التواصل والتداخل الجغرافي فضلاً عن المُعطى السياسي في تلك الحقبة.

والجليل الأدنى جنوباً ذو التلال الأقل ارتفاعاً، وقد بقيت هذه التسمية للمنطقة متداولة إلى فترات متأخرة من دون أن يتعارض ذلك مع تسمية «جبل عامل». بالمقابل ضم مؤرخون مناطق من الجليل وسهل الحولة إلى منطقة «جبل عاملة» لأسباب سياسية وجغرافية سادت في فترات تاريخية معينة.
وقد أسهمت تضاريس المحيط الطبيعي الذي يضم المنطقتين الواقع ضمن الحزام السفلي للحوض المتوسطي، امتداداً إلى جبل الشيخ (حرمون)، والمناخ المتوسطي القاري المعتدل إلى حار (٢٠-١٦م) الذي يتمتع به بالإضافة إلى معدلات سقوط الأمطار المتباينة بين الساحل والداخل ومرتفعات حرمون، إلى انتعاش في الحياة النباتية والحيوانية وغنى واسع في التنوع البيولوجي. كما وفرت هذه البيئة مساراً ومحطة استراحة دافئة للطيور المهاجرة مما أسهم في حيوية الحياة البرية للمنطقة.

التنوع وأثر الجدار

تضم المنطقة الحرشية المتصلة، على طرفي الحدود، أصنافاً وأنواعاً واسعة من بين النباتات والأشجار المحلية من بينها أنواع عدة من السنديان أو البلوط مثل العفص أو الحلبي والطابوري أو الملول والبلوط الفلسطيني والبطم ومنه العدسي والأطلسي والفلسطيني والغار... وغيرها من الشجيرات والنباتات المختلفة التي تزيد عن ألف نوع. وتعد غابات السنديان المتبقية في جبل عامل والجليل الأعلى بعض أقدم غابات السنديان في المنطقة. وتوفر هذه الأشجار والنباتات الملجأ والغذاء لعدد كبير من الحشرات والزواحف والقوارض والطيور والثديات من بينها الخنزير البري والسنجاب والغرير والنمس والثعلب الأحمر (نوعان). وتنشط في هذا المحيط العديد من اللواحم مثل القط البري وابن آوى الذهبي وكذلك الضباع المخططة وغيرها. وبعض هذه الحيوانات والطيور المحلية مهدد بالانقراض وفق تصنيف المجلس العالمي لصون الطبيعة IUCN كغزال الجبل وغيره.
لقد أدت الإنشاءات والأنشطة الإسرائيلية الأمنية والتي ازدادت تباعاً منذ الانسحاب الإسرائيلي إلى تراجع كبير في نشاط هذه الحيوانات عبر الحدود وسجلت خلال الفترة السابقة عشرات حالات نفوق حيوانات وطيور علقت في الشباك والأسلاك أثناء محاولة عبورها. ومع استكمال بناء هذا الجدار يصبح الفصل بين المناطق أكثر شدة وتعقيداً وهو ما يشكل تحدياً غير مسبوق لنظام المنطقة البيئي.

اختلال النظام البيئي

إن من الأثار المباشرة للجدار وبنيته التحتية والذي سيمتد لكيلومترات عدة مستكملاً الإنشاءات الأخرى التي سبق ذكرها، أن يمنع الحيوانات الجوالة سواء منها، الزواحف والقوارض أو الثدييات العاشبة واللاحمة من أي فرصة للعبور حتى تلك التي كانت تجد طريقها بصعوبة من خلال بعض الثغرات سابقاً. وفي ذلك تأثير على سلوك ونشاط الحيوانات الذي يحدده بحثها عن الموئل والغذاء خاصة مع انحسار المناطق البرية نتيجة التمدد الحضري إضافة إلى تداعيات عامل التغير المناخي على النظم البيئية المختلفة نتيجة للجفاف وتأثير ذلك على التنوع البيولوجي.
ويشكل التغير المناخي تحدياً كبيراَ للنظم البيئية وعناصرها خاصة تلك التي تجد عناصرها صعوبة في التأقلم مع المتغيرات المناخية مثل إيكولوجيا الأراضي الرطبة. كذلك أدى إلى انحسار في الموائل وندرة في الغذاء والماء وكل هذا ترك تأثيراً على سلوك الحيوانات ونشاطها وتكاثرها في أكثر من موقع، على سبيل المثال، في لبنان، أدت إلى تراجع أعداد ثعالب الماء في مقابل زيادة أعداد القوارض مثل فأر الحقل وأنواع أخرى من الزواحف والحشرات (عرضنا له في مقالة سابقة).

الجدار يمنع الحيوانات من العبور فيقطع عنها الموئل والغذاء

وقد خلف هذا التغير تأثيراً على مواعيد الدورة البيولوجية للأنواع النباتية والحيوانية وتسبب بانتقال الحيوانات واستقرارها إلى مواقع أخرى. وكانت مجلة Science قد نشرت في عدد (6332/مجلد 355) آذار 2017 بحثاً تناول فيه الانتقال الواسع لأنواع الحيوانات بسبب التغيرات المناخية التي تسبب بها النشاط البشري. وهي تداعيات لا تتوقف عند النضوج المبكر للأزهار والثمار أو البدء المبكر لتكاثر البرمائيات أو مواعيد هجرات الطيور الموسمية إلى غيرها من التغيرات التي طرأت على الدورة البيولوجية للأنواع فحسب، بل يؤثر ذلك على استقرار المجتمعات البشرية وصحتها وسلامتها ووفرة مائها وغذائها. إن جدار الفصل الإسرائيلي يقيد حركة الحيوانات للتعامل مع تحدي التغير المناخي ويمنعها من الانتقال بحثها عن الموئل الملائم والغذاء والماء، ما سيخلف آثاراً على نشاطها وتكاثرها وهو ما سيعطي أرجحية لأنواع على أخرى وبنتيجة ذلك سيؤدي إلى اختلال وتدهور النظم البيئية.

الحد من نشاط الطيور

إن وجود الجدار يقيد حركة الطيور أيضاً. فالعديد من الطيور لا تعتمد في تنقلها أو بحثها عن غذائها وطرائدها التحليق المرتفع وتعتمد التحليق المنخفض والتنقل بين الأشجار. كما أن أنواعاً عدة من المفترسات تعتمد الصيد المنخفض كما هو حال بومة الحظائر، على سبيل المثال، وهذه ستتأثر نتيجة الجدار الذي سيمنعها من التنقل وتوفير الغذاء أو الطريدة من جهة، ومن جهة أخرى توفير الحماية للأشجار نتيجة نشاط هذه الطيور وتناولها للحشرات أو القوارض وبالتالي الحفاظ على أعدادها وهو ما يسهم في الحفاظ على توازن النظام البيئي.
كما إن تقييد حركة الطيور والحيوانات يحد من حيوية وتنوع الأحراش والغابات ويحرمها من مُلقح وناقل ناشط لبذور النباتات والأشجار المختلفة.

تهديد الذئب الرمادي

من شأن الجدار أن يحدّ بشكل كبير من حركة اللواحم، وبشكل خاص الذئاب الرمادية والتي تراجعت أعدادها بشكل كبير في المنطقة وتشكل رأس السلسلة الغذائية للنظم البيئية حيث تنشط. وتلعب أنواع الذئاب الرمادية بنظامها الغذائي دوراً أساسياً في الحفاظ على حيوية وتوزان النظم البيئية، خاصة أنها من دون باقي اللواحم المتبقية في هذا المثلث الطبيعي الممتد من الجولان إلى حرمون مروراً بعاملة إلى الجليل الأعلى التي تصيد الثدييات الكبيرة. ويلعب التجوال البعيد للذئاب ضمن وخارج حوزها الذي تحدده بعشرات الكيلومترات ضمن هذا المثلث بين لبنان وفلسطين وسوريا بحثاً عن طرائد دوراً في تنظيم أعداد الثدييات العاشبة وتوجيه سلوكها أيضاً وهو ما يسهم في الحفاظ على توازن النظم البيئية. فالذئب الرمادي المقيم في الجولان يجول حتى الحولة جنوباً وتلال عاملة شرقاً وكذلك الأمر في الذئاب المستوطنة على منحدرات حرمون حيث تشكل جبال عاملة والجليل جزءاً من حوزها ومجال تجوالها وصيدها وهو الأمر والدور الذي بات متعذراً بفعل بناء الجدار الفاصل ولهذا تداعيات سواء على نشاط الذئاب أو على توازن النظم البيئية التي لعب دوراً فيها مما سيزيد من أعداد الأنواع التي كانت جزءاً من نظامه الغذائي على حساب أخرى.

استعادة غزال الجبل!

سجلت خلال الأعوام القليلة الماضية مشاهدات لغزال الجبل وهو نوع محلي مهدد بالانقراض على ما سبقت الإشارة وقد كان مستوطناً في المناطق الجنوبية قبل أن يغيب عن الرؤية في سبعينيات القرن الماضي. ولا يزال غزال الجبل ناشطاً في فلسطين حيث توجد أكبر مجموعة متبقية منه في البرية وتبلغ قرابة ألفي غزال على الرغم من التراجع الكبير في أعداده. والمرجح أن هذه المشاهدات تعود إلى حالة عبور لغزال الجبل من الأراضي الفلسطينية إلا إذا تبين أنها تعود إلى أفراد لا تزال موجودة في البرية اللبنانية وهذا أمر، إذا ما تم التحقق منه، يشكل حدثا بيئياً كبيراً ويستوجب التدخل من السلطات لحمايتها ورعايتها.

مخالفة اتفاقيات دولية

في بنائها للجدار تعرض إسرائيل التنوع البيولوجي للمنطقة إلى الخطر وتلحق أبلغ الأضرار بالحياة البرية وتخرق بنود اتفاقية التنوع البيولوجي واتفاقية رامسار للحفاظ والاستخدام المستدام للمناطق الرطبة خاصة أن الجدار يعترض حركة السيول والأمطار الموسمية والتي تغذي العديد من الجداول والمناطق الرطبة تعيق حركتها. فهل تحضر وزراة بيئة لشكوى أممية حول هذا الموضوع؟

مقالة: كيف نعيد البومة البيضاء حارسة خيرات الحقول؟ | Article: How Can We Bring Back the Barn Owl, Guardian of Our Fields?


 


في سبيل بناء علاقة سلمية مع محيطنا البيئي الطبيعي لا بد لنا من تصويب الكثير من المفاهيم الشائعة والخاطئة عن هذا المحيط الذي نحن جزء منه. من هذه المفاهيم الخاطئة تصور «الحياة البرية» باعتبارها حيزاً منفصلاً عنا، يمكن أن يكون مساحة حرجية أو جرداء تعيش عليها بعض الحيوانات والطيور، جميعها مجهولٌ لدينا.

حيث لا علاقة تربطنا به والاتصال الوحيد لنا معه هو في حالتين: حينما نخرج إلى «البرية» أو حين تأتي حيواناتها إلى محيط قرانا وبلداتنا وحينها تعتبر غازية وخطرة مباحٌ قتلها. لكن في واقع الأمر نحن من «غزونا» البرية وموطن هذه الحيوانات والطيور ودمرنا ملاذاتها بالزحف الإسمنتي وشبكة الطرق العشوائية وحاصرناها في جزر من بقايا المساحات الخضراء والحرجية. إلا أن هذا لا يغير من حقيقة أننا، أينما كنا، نشكل جزءاً من هذا المحيط الحيوي الذي تشكله النظم البيئية على اختلاف أنواعها، نؤثر ونتأثر بها بشكل مباشر. بإمكاننا أخذ أكثر من نموذج، ربما معظم الحيوانات البرية، للنظر في هذا الفهم الخاطئ للعلاقة مع محيطنا الطبيعي... في طليعتها بوم الحظائر


أدرج كتاب حالة الطيور في لبنان State of Lebanon’s Birds & IBAs الذي أعده أسعد سرحال وباسمة الخطيب ونشر في ٢٠١٤ ضمن مشروع "تعميم إدماج المحافظة على الطيور المحلقة المهاجرة في القطاعات الإنتاجية الرئيسية على طول مسار الوادي المتصدع / البحر الأحمر" الذي نفذته وزارة البيئة في لبنان، ستة أنواع من البوم توجد في لبنان منها أربعة مقيمة وهي بوم المخازن Barn Owl(Tyto alba) وبومة النسر الأوراسية Eurasian Eagle Owl (Bubo bubo) والبومة السمراء Tawny Owl (Strix aluco) والبومة الصغيرة Little Owl (Athene noctua) ونوعان مهاجران: البومة الطويلة الأذن Long-eared Owl (Asio otus) مهاجرة شتوية وبومة الأشجار الأوروبية Eurasian Scops Owl (Otus scops) بالإضافة إلى نوع سابع متنقل غير مؤكد وهو بومة السمك البنية Brown fish owl (Ketupa zeylonensis).

ناظمة القوارض

تعتبر بومة الحظائر أو المخازن البيضاء أحد أنشط ناظم للقوارض. فهي تنشط في أكثر من منطقة لبنانية وتفضل المناطق المفتوحة مثل الحقول والمراعي، مما يسهل عليها رصد ومباغتة طرائدها كما تنشط في بعض الأماكن الحضرية. وهي تعتبر أفضل ناظم للقوارض التي تشكل التحدي الرئيسي للأراضي الزراعية والأرياف ولصحة الأماكن الحضرية. إذ تأتي القوارض بمختلف أنواعها على رأس قائمة طرائدها وحيث تندر تلك، تصيدُ البوم السحالي والبرمائيات وبعض أنواع الحشرات. وقد أظهرت دراسات عدة تناولت النظام الغذائي لبوم المخازن من بينها دراسة أعدتها Mammals Society البريطانية أن طائر البوم البالغ يتناول بين ٣-٤ من الفئران يومياً (٤٥٪ فأر الحقل و١٥٪ فأر الخشب و٢٠٪ قارض الزبابة Sorex) وهو ما يعادل ألفي فأر وقارض في العام للطائر الواحد، ما يجعل بوم الحظائر تتصدر، إلى الكواسر والأفاعي والثعلب الأحمر والنمس من الحيوانات والطيور البرية، قائمة مفترسات الفئران والقوارض.

في صدارة قائمة المفترسات

وما أسهم في تصدر البوم قائمة المُفترسات هو نشاطها الليلي وتمتعها بحاسة سمع قوية ورؤية ليلية تمكنها من رصد الفئران وتعقبها بخفوت مذهل يقارب الصمت تمتاز به عن سائر الطيور وباقي المُفترسات.
ليس هذا فحسب، بل إن بوم الحظائر، شأن الثعالب الحمراء، أظهرت قدرة كبيرة على التكيف وخاصة في المناطق الحضرية ومحيطها مما يجعلها حيوية وضرورية للحد من تزايد القوارض في تلك المناطق وهو أمر مهم للغاية لمواجهة تحدي التزايد المطرد للقوارض في التجمعات الحضرية والتي تعد من أقدم وأخطر التحديات التي تواجهها، وآثار ذلك على الصحة العامة تكفي الإشارة إلى أن أسوأ حالات انتشار الأوبئة والتي أودت بأرواح الملايين حملتها القوارض. وتتضاعف أهمية البوم والمفترسات الحضرية الأخرى مع تحذير دراسات عدة من مخاطر الاعتماد على القطط الأليفة لهذه المهمة خشية نقل القطط للأوبئة التي تحملها القوارض من الفئران والجرذان إلى أفراد المنزل.

«المكافح البيولوجي»

بين عامي ٢٠١٠-٢٠١١ شهد لبنان والبقاع الغربي ما اعتبر انفجاراً وبائياً لفأر الحقل Microtus socialis حيث تضاعفت أعداده بشكل كبير وقد عزي الأمر في حينه إلى موجة جفاف سادت إبان تلك الآونة، وقد قضى ذلك على موسم القمح والشعير وخلّف أضراراً جسيمة في الحقول الزراعية وخسائر كبيرة على المزارعين. وسادت خشية في حينه من انتشار الأوبئة بين قطعان الغنم والماعز وانتقالها إلى الناس ووزعت الطعوم لهذه الغاية.
إلا أن هذه الظاهرة ليست جديدة ومعزولة في لبنان وبلاد الشام، فلقد سجلت قبلها كما أعقبها العديد من حالات مشابهة. ويشكل تزايد أعداد فأر الحقل تحدياً دائماً للمزارعين في سوريا كما في لبنان وفلسطين، وقد قضى العام الماضي (2016) على موسم القمح في حقول حماه.
وقد أسهمت التغيرات المناخية الناشئة عن الاحتباس الحراري في توفير المناخ المناسب لتكاثر هذه القوارض فضلاً عن أن مناطق من لبنان وسوريا وفلسطين تعتبر مواطناً لفأر الحقل (ويندرج ضمنه ٦- ٧ أنواع فرعية) وهذا ما أورده العالم الألماني بيتر سيمون بالاس الذي وثق النوع في عام 1773 وأعطاه اسمه العلمي المستخدم اليوم. وهو الأمر الذي أكده علماء بيولوجيون خلفوا بالاس وسجلوا وجود ونشاط فأر الحقل في لبنان (البقاع) وسوريا وفلسطين (الشمال والضفة الغربية وغور الأردن).

مخاطر المركبات الكيميائية

ولقد ثبت أن استخدام المركبات الكيماوية السامة من قبيل فوسفيد الزنك وتتان وفوستكسين للقضاء على القوارض تحمل مخاطر وتداعيات بيئية خطيرة على باقي الحيوانات بما فيها أنواع القوارض الحيوية والطيور وتلك المفترسة للفئران بشكل خاص، حيث تقضي نتيجة للسموم أو بتناول الفأر المسمم، فضلاً عن أثارها على المواشي. وفيما تتكاثر الفئران على مدار العام وبأعداد كبيرة تسمح لها بالتعويض في تناقص أعدادها بفعل التسمم لا ينطبق الأمر على مُفترسات الفأر الأقل عدداً ونسبة في التوالد مما يُقيل عنصراً حيوياً في الحد من تكاثرها ويزيد من أعدادها.
وهو ما يقودنا إلى خلاصة توصلت إليها مراكز الأبحاث الزراعية المختلفة حول أهمية مواجهة هذه المعضلة بالوسائل البيولوجية والتي لا تحمل أيّ مخاطر على البيئة والصحة العامة بعكس المبيدات والسموم الكيماوية. وتأتي في مقدمة هذه المبيدات البيولوجية البومة البيضاء.
وقد عمدت أكثر من دولة ومنظمة مختصة إلى إطلاق برامج للمساعدة على رفع أعداد هذه الطيور بشكل رئيسي وكذلك صقر العوسق أو صقر الجراد أو الشبوط (كما الحال في فلسطين) وحماية باقي المُفترسات الحضرية مثل الثعلب الأحمر (بريطانيا) نظراً لأهمية الدور الذي تلعبه هذه الطيور كمبيد بيولوجي لسلامة وصحة المزارع والحقول وكذلك الأماكن الحضرية وهذا ما يفسر تسميتها بصديقة الفلاح وحارس الحقل.

تاريخ وتحديات

تواجه طيور البوم، وبشكل رئيسي بومة الحظائر البيضاء مخاطر عديدة. هذه البومة ذات الوجه الأبيض الساحر الذي يشبه القلب بألوان ريشها المميز، ناشطة في الأرياف كما في محيط المدن. سبق أن اتخذتها مملكة صور الفينيقية رمزاً ملكياً لها وسكتها على عملتها (الصورة لعملة من مدينة صور تعود لـ٤٠٠-٣٦٠ ق.م ويظهر عليها طائر البوم الذي اتخذته المملكة الفينيقية شعاراً ملكياً لها). بين التحديات التي تواجهها هذه البومة الساحرة، الموروثات الشعبية التي تقدمها على أنها نذير شؤم، فيما يظهر دورها الحيوي أنها عكس ذلك تماماً. كما تتعرض للقتل العبثي والجائر والإتجار غير المشروع. وبدل أن نسعى إلى حمايتها والعمل على زيادة أعدادها، تتراجع أعدادها بشكل متسارع مما يقوّض دورها الحيوي وهو ما سيكون له تداعيات خطيرة على المدى البعيد على صحة وسلامة الحقول والبراري والأرياف وحتى على مدننا وبلداتنا إذا لم نسارع إلى حمايتها وزيادة أعدادها ببرامج ترعاها وزارتا الزراعة والبيئة لتشكل بدائل بيولوجية مستدامة تدرب الفلاحين على كيفية تشجيع زيادة أعداد هذه الطيور والتعامل معها وتوزيع أعشاش صناديق خشبية لتشجيعها على الاستقرار والتكاثر والتشدد في ملاحقة المعتدين عليها. خلاف ذلك، ستتزايد أعداد القوارض ومعها الأوبئة وبالتالي تتراجع إنتاجيه الحقول ومعها مستويات دخل ومعيشة المزارعين وهو ما يضعف فرص ومجالات تنمية الأرياف والمجتمعات المحلية.

جريدة الأخبار، 11 يناير/ كانون ثاني 2018

https://shorturl.at/iLCfu